البركة ما هي؟ وكيف نستجلبها؟ الرياح المبشرة والقلوب المؤمنة وخيرات وبركات منتظرة
الحمد لله الغني الكريم، الوليّ الحميد، واسع الفضل والعطاء، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تبارك وتعالى "وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ" في الحياة بركة لا يعقلها إلا المؤمنون "يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ" ومن مقاصد لفظ الآخرة هنا أي العالم الغيبي وما يحويه من عطايا خفية منها البركة وأثرها، يغفل عنها المشركون ومسيئو الظن بالله، ويعقلها المؤمنون العالمون.
في الحياة بركة لا تجلبها كثرة الأولاد، ولا
الأموال ولا الوجاهة ولا كثرة الأعمال، بل قد يكون العطاء من هذه مع عدم التقوى
خطرا وبلاء "فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ
فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ
أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ"
والحياة مع البركة تكون هانئة آمنة، سعيدة
مطمئنة، متيسرة بغير حساب من أهلها، البركة هي رزق من الله يمنحه لمن شاء من
عباده، وقد شاء سبحانه أن تكون البركة قرينة التقوى، وفضلا من الله تعالى فقد جعل
التقوى محددة بحسب استطاعة عباده "فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا
لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ" التقوى تكون باختيار
القرار الأحوط والأسلم المجانب للمحرم، وقد تعترض العبد صعوبات في التقوى وكلٌ على
نفسه بصيرة بالعذر والاضطرار أو الرغبة والطمع، فمن جاهد نفسه وأكثر لومها ونهاها
عن هواها استطاعته، فقد أدى مهمته واستحق ما وُعِدَ به.
وحينما تأتي الكلمة في سياق النكرة فإنها
تدل على أن العطاء لا حدّ له ولا حساب عليه، فبركات من السماء وبركات من الأرض
بغير حدّ ولا حساب.
البركة تعني نماء الخير وكثرته والوقاية من
الضرر المصاحب له، إذ في كل شيء جانبان سلبي وإيجابي، نفعٌ وضُرٌ، والرزق نوعان
رزق عطاء ورزق رفع أو سلب، فالرزق المبارك فيه يُسلب معه من العبد ما يجلب الخطأ
والحسرات. في مواجهة العدو لأول مرة وفي ارض طينية صبخة ينزل النوم والمطر على
المقاتلين الضعفاء ليسخر منهم ويستهين بهم عدوهم ولكنه كان لخير غيبي لم يعلموه لا
هم ولا أعداؤهم "إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ
أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم
بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ
وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ"
فإن بورك لك في شيء ما، نما وكثر ورفع عنه
كل ما يضر، وإن رزق أحد ما رزقا بغير بركة فمع دقة وجودة الكسب إلا أنه تكثر أسباب
شقائه وحرمانه من الاستفادة مما بين يديه، ثم يغتمّ ويندم قبل الغمّ والندمّ يوم
القيامة.
والمقصود اطلب البركة تستمتع برزق الله لك،
واستجلب البركة بالتقوى ما استطعت لذلك سبيلا، وتعلّم كيف تتقي فيما يعرض لك من
شؤون الحياة.
وإن من علامة التقوى المؤثرة في حياة صاحبها
أن تجد صاحبها يسمع ويطيع لله ولرسوله وللحق الذي أُمِرَ به، وتجده ينفق مما رزقه
الله سواء أكان مالا، أو قوة أو عِلماً أو وجاهة أو منصبا ونحو ذلك فكل ما يمكن
خدمة الناس به فهو إنفاق مما رزق الله، والمتقي ينفق ولا يتردد، فتحل البركة لينمو
الرزق ويكثر ويتعاظم ويُستمتع به. فاتقوا الله عباد الله تنعموا بحياتكم وتشرق لكم
آخرتكم.
عباد الله وها قد أطلت بشائر خيرات السماء بحلول
الموسم وبالرياح المبشرات وبهذه القلوب المؤمنة الراجية المؤمّلة، وإن الإنسان من
طبعه أن إذا علم أن ملكا سيأتي ويعطي، فإنه أملا في نيل ما قد يُوزع يعتني بأدق
التفاصيل التي تجعله في حال ينال بها رضا المُؤمَّلِ فضلُه، وحينما يُرسل سبحانه
الرياح مبشرات فعلى المحتاج المستبشر التعرض للفضل بالتهيئة المناسبة لنيل ما أمّل
من ربه من مطر ومن بركة في المطر وفي أثره على الأرض، وأما من أعرض واستغنى
فسيُعرض عنه أو يعطى ما يستدرجه ويضره ويتلف ماله أو صحته أو روحه.
وإن مما يُستجلب به الغيث المبارك هو توقير
الله واستحضار عظمته وتذكر الخطأ والتقصير والمبادرة لتطهير الروح منهما وذلك
بالتوبة وكثرة الذِكرِ "فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ
رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل
لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ
أَطۡوَارًا"
من أراد المطر المبارك فليكن كمحمد عليه
الصلاة والسلام مع قوة رجائه في ربه ومع علمه بمكانته ومنزلته إلا أنه يخاف ذنوبا
قد يكون أذنبها، ويستغفر في اليوم مائة مرة ويحارب الأفكار العشوائية المسماة
هواجيس بكثرة الاستغفار والذكر وتلاوة القرآن، فلا يجد الشيطان عليه مدخلا لمزيد
ذنوب، ولا يجد سببا يعطله به عن محو الذنوب، ومن طَهّرَ قلبه فقد طَهُرَ سجله
واستدرج رحمة ربه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل
لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ
خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ
غَفُورٞ رَّحِيمٞ" هم كفار وأسرى حرب كان هدفهم قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم
واصحابه ومحو دين الإسلام ومع ذلك يعدهم الله بأنهم إن أصلحوا قلوبهم فجعلوا قصد الخير
وإرادته سِمتَهم ومسلكهم فسيحظون بالكثير من الخير فما بالك بالمؤمن عن أصلح قلبه؟
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد عباد الله. فيقول الله تعالى "ٱدۡعُواْ
رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ وَلَا
تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ
إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ
بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا
سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن
كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ وَٱلۡبَلَدُ
ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ
إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ" بالتوحيد
وإخلاص الدعاء لله تصلح الأرض المجدبة المضطربة، أفلا يصلح القلب والحال الخاصة؟
والبلد الطيب يخرج نباته طيبا بإذن ربه، وكذلك القلب الطيب. قال الشيخ السعدي رحمه
الله في تفسيره: الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فأمر بدعائه
{تَضَرُّعًا} أي: إلحاحا في المسألة، ودُءُوبا في العبادة، {وَخُفْيَةً} أي: لا
جهرا وعلانية، بل خفية وإخلاصا لله تعالى.
{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي:
المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح
له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء
المنهي عنه.
{وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بعمل المعاصي
{بَعْدَ إِصْلاحِهَا} بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما
أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا، والآخرة.
{وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: خوفا من
عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبول الأعمال، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد مدل على
ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ.
{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ} في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله، فكلما كان العبد أكثر
إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، وفي هذا من الحث على
الإحسان ما لا يخفى. أ. هـ رحمه الله.
فاتقوا الله عباد الله بإفراد الله بالعبادة
دعاء ومسألة وخوفا ورجاء، واعملوا بأسباب رضاه كما علّمكم رسول الله عليه صلوات
الله وسلامه، تفوزوا بالبركة التي تصنع الحياة السعيدة في الدنيا وفي الآخرة.
ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه
بقول ربكم جلّ في علاه "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
اللهم صل وسلم على إمامنا وسيدنا وحبيبنا عبدك ورسولك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق