الحفاظ على السُنّة

 جاء في الحديث الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رضي الله عنه إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي" فَبَكَى مُعَاذٌ فَقَالَ له: لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ إِنَّ الْبُكَاءَ مِنْ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا، اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ فَسَادَ مَا أَصْلَحْتُ، وَايْمُ اللهِ لَتُكْفَأَنَّ أُمَّتِي عَنْ دِينِهَا كَمَا يُكْفَأُ الْإنَاءُ فِي الْبَطْحَاءِ" أحمد وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني.

من العبر في هذا الخبر: وجوب الانتباه لقرب الرحيل نحو الدار الآخرة والتخطيط لما بعد الرحيل، وأهمّ ما يُخطط له بعد الرحيل هو التخطيط لمصاحبة النبي محمد عليه الصلاة والسلام في الطريق نحو الجنّة بعد الاجتماع عند حوضه العظيم الذي أعدّه الله له ولأمته، جعلنا الله من الواردين للحوض المصاحبين للنبي حتى الفردوس.

والخطة الوحيدة للصحبة والمرافقة والمجاورة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام هي في تقوى الله عزّوجلّ وبالأخص في سنته التي صلح عليها هذا الدين واستقامت بها أمور العباد وحَسُنت صلتهم بخالقهم جلّ وعلا من خلالها، والله تعالى "قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا " مسلم. البعير الضال لسوء طبعه وتربيته ولاحتمال مرضه فهو يطرد ويُصدّ عن القطيع النقي المُنقّى، والمؤمنون المتقون، قد اصطفاهم الله واختارهم فسيصرف عنهم يوم القيامة كل من لا يليق بهم ممن ساء طبعه وتمرد على سنة نبيه، حتى ولو توضأ وصلى معهم واكتسب علامتهم يوم القيامة، فبدعته وضلالته أدتا لردّه وطرده وحتى النبي يدعو عليه بالسحق.

فاتق الله في سنة نبيك وحبيبك محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حافظ عليها ما استطعت لذلك سبيلا، وإيّاك أن تتقرب إلى الله تعالى بشيء لم يفعله عليه الصلاة والسلام ولم يدعو له ولم يُقر مَن فَعَله، فإن في ذلك شبهة بأنّك قد استجبت لمن دعاك لمخالفة سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى بهذا خطيئة تطردك عن رحمة الله، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: "أَجَلْ وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ" أي أطاعوهم في التشريع، ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "مَن عمِلَ عملاً ليس عليهِ أمْرُنا فهو رَدٌّ". ومن رُدَّ عليه عمله فقد باء بالخسران كما باء بالتعب والنصب، بل وحلّ به شقاء وضيق العيش بحسب بدعته وبُعده عن سنة نبيه، ولقد كان الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام لا يخاف على أصحابه الفتنة لأنه هو بينهم، وإنما كان يخاف الفتنة على من سيبقى بعده منهم ومن سيأتي بعدهم، ففي حديث الدجال قَالَ: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. مسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ» مسلم. وانتبه فكل امرئ حجيج نفسه وعليه الحذر من أن تَردُّه الملائكة عن نبيه، فكم من عامل بالصالحات يأتي خالي الوفاض كما يخلو الإناء من مائه بعد أن يقلب في بطحاء من الأرض، ففيها لا يبقى حتى الأثر، وهكذا البدعة تمحو كل صالح من العمل. 

إن الحياة تدور بين عادة وعبادة، فالعادة هي سلوك اجتماعي أو شخصي قابل للتغيير والتبديل تبعا للظروف والقناعات، وأما العبادات فهي توقيفية لا تتغير ولا تتبدل ولا يُسمح بإحداث شيء فيها، كالاحتفال بالمولد النبوي، أو الجلوس للذِكر الجماعي بتنغيم وطرب، أو ادعاء الحب والبغض في الله وهو مبني على التوافق الفكري للشباب أو الجماعة أو الحزب لا على الكتاب والسُنّة، أو تخصيص زمن معين لعبادة معينة لم يرد في الشرع تخصيصه كنصف شعبان مثلا، أو الرهبانية في العبادة كترك بعض الرخص تحرجا او تحميلا للنفس ما لم يحمّلها الله، كل زيادة في التشريع لم ترد في القرآن ولا في السنة ولم تحُفظ عن الصحابة وتابعيهم وكل تورعٍ عن مباح لا ينكره العرف، أعمالٌ كلها بدع خطرة قد تُخرج من الملّة وغالبا سَتَردُ فاعلَها عن الورود على نبيه يوم يَرِدُ إليه الصالحون من أمته، وكلٌ حجيج نفسه وكلٌ يودُّ يوم القيامة ان تزفّه الملائكة في وفد المتقين إلى ربهم جلّ وعلا.

فإن كنت تريد أن يُحبك الله فاتّبع نبيه، وإن كنت تريد الفرح بلقاء نبيك فحافظ على سنته.

هو عليه الصلاة والسلام يتمنى رؤيتك فحافظ على سنته واجعلها الحكم بينك وبين الآخرين، واعلم أنها طريقك للسعادة، وهي سبيلك لأمانك ولحصانتك يوم القيامة.

تعرّف على سُنة نبيك بالقراءة والبحث والسؤال، واعمل لتكون فرحا مسرورا متكأ مع المتقين بجوار حوض نبيك تشاهد الملائكة ترد المبتدعة عنكم وتسمع رسول الله يقول لهم سحقا، سحقا، فتحمد الله على أن هداك للسنة وأعانك عليها حيث كانت سبب نجاتك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل