ولكبار السِنّ حقوق وواجبات الجمعة 8/ ربيع ثان/ 1446
إن من سُنّة الله في الكون هي النقص والضعف والتغيّر في بني آدم عامّة، "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ" وإن من تكريم الله تعالى لبني آدم أن أوجب لهم على أسرهم وعلى مجتمعهم من الحقوق ما يناسب مراحل حياتهم ومستويات ضعفهم، حقوق تُقدم في مرحلة وتسترد في أخرى، فهي ديون مستحقة الوفاء، تأتي ضعيفا فتُخدم، وتشتدُ فتَخدِم، وتضعفُ فتُخدَم، ثم ترحلُ ويحل غيرك محلك، وما مرّ بمن سبقك فهو في الطريق إليك لا يتركك إلا أن تموت قبل وصوله، سلسلة من المراحل لا تنفك عن بني آدم في هذه الدنيا، ولا سلامة من ذلك التحول والتبدل إلا في جنّات النعيم.
لقد قسّم الله تعالى هذه الأمة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهم الأفضل والأشرف والأعلى منزلة وهم المهاجرون، القسم الثاني: الأنصار
الذين استقبلوا أولئك المهاجرين الفارّين بدينهم ودعموهم ولم يجدوا في أنفسهم حاجة
مما فاز به أولئك المهاجرين، والقسم الثالث: هم الذين أتوا متأخرين نوعا ما فهم
مؤمنون ويعرفون لمن سبقهم حق السبق، "وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا
وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي
قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ" فمن جاء متأخرا زمانه وهو مؤمن ملتزم أحكام الإسلام،
وضابطٌ مشاعره بهذا التوجيه الرباني فهو من فضلاء المؤمنين، يُقدّر ويحترم كلَ من
سبقه من الأجيال الماضية، وكلَ من سبقه بالإيمان لكبر سنه ولو كان له معاصرا، ويراعي
مشاعر الأكبر سنا ولو لم يكن مسلما، ما لم يكن سيء الخُلق فاحشا متفحشا، عن عَبْدِ
اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا» فلكلٍ
ما يناسب مرحلته من رحمة ومن احترام وهذا من المسلّمات في دين الإسلام. وجاء في
الحديث عنه e قوله: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ
الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ،
وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» فهؤلاء الثلاثة لهم حق الاحترام
والتقدير ومراعاة المشاعر لأنهم غالبا ذوو قلوب رقيقة لا يُنافسون على الدنيا ذاك
التنافس المذموم، حينما سئل عليه الصلاة والسلام مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ
طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»
وإن من احترام الأسبقين المعاصرين تقديمهم
في المجالس، والاستماع لأحاديثهم ولو مكررة، والاستماع لرأيهم ولو لم يُعمل به،
ولقد عاب الله تعالى على أسرة يعقوب عليه السلام لأنهم لم يستمعوا لمشاعر والدهم
وكبيرهم، بل سخروا منها "وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ
قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ" فاحذر مما عابه الله على قوم حتى لا يعاب
عليك مثلهم، ومن حقوق كبار السن خاصة الوالدين والإخوة الكبار: العناية بما يُقدم
من أطعمة في الأمسيات الجميلة وحين الاجتماعات العائلية الصغيرة، فلا تُقدم
الأطعمة المضّرة ذات السكريات العالية إن كانوا مرضى بهذا البلاء مرض السكر، وإن
قُدّمت للمتعة والبهجة وأراد الأكل منها فليحذر من حوله من الوصاية عليه بمنعه
ونهيه وكأنه أحد أطفالهم، فتراعى المشاعر والحاجات قدر الإمكان.
ومن حقوق الوالدين وكبار السن الاهتمام
باستمرار نشاطهم الفكري بتخصيص ركن في البيت يخصه يهيأ ليتلو فيه كتاب الله ويصلي
كما يحب، فإن ذلك مما يعود بالبركة على البيت وأهله، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ
فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» متفق عليه. وفي الحديث الحسن (اجعلُوا
من صلاتِكم في بُيوتِكم، ولا تجعلُوها عليكم قُبوراً، كما اتَّخذت اليهود والنصارى
في بيوتهم قبوراً، وإنَّ البيت ليُتلى فيه القرآن فيتراءى لأهلِ السماء كما تتراءى
النجومُ لأهل الأرضِ)
وكذلك من الإعانة على صيانة عقل كبير السنّ وحفظه من الخرف ونحوه تهيئة مجلسه للقراءة العامّة في الفنون المختلفة التي يميل إليها، فالقراءة زاد لتغذية العقل يحتاجه الإنسان في كل مراحل حياته، خاصة إذا كبر وقلّ عمله وتواصله، وكذلك العناية بتشجيعهم على مزاولة نشاط رياضي مناسب لوضعهم، كرياضة المشي المناسب ورياضة التنفس والتفكير والتمدد ونحوها، ولا تشجيع كالمشاركة فقد كانوا يشاركونك وأنت صغير كثيرا من اهتماماتك التي تشغلهم ولا تناسبهم، ولكن حبهم لك وأداء لحقك حينها كان دافعهم، فوجب رد الدّين لهم. وإلى هذا أشار جلّ وعلا في قوله تعالى "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" فإن كنت صالحا وقد قصّرت يوما فتدارك ما دمت حيا، فربك للأوابين غفورا.
وفي الصلة بكبار السن فوائد جمّة أهمها أداء حق الله تعالى فيهم بصِلَتِهم وأيضا الاستفادة من خبراتهم، وزيارتهم تكريم لهم ولأهلهم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ. وذلك تَكْرِمَةً لِأَبِي بَكْرٍ» أحمد وابن حبان وصححه الألباني. وعن ابنِ عمر قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبَرَّ البرَّ صِلةُ المرءِ أهلَ وُدِّ أبيه بَعْدَ أن يُوَلِّي" أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه الألباني والأرناؤوط.
ولكن ثمّة أخطاء تقع
أحيانا في الزيارةِ والصِلةِ قد تجرح مشاعرهم وتُفسد المجالسة عليهم، فلا يليق
التعامل معهم بما يُنفرهم من تلك المجالس العائلية بالإخلال بنظام جلستهم أو
مجلسهم أو نومهم أو طعامهم، أو استثارة الذكريات التي لا يليق إعادة الحديث عنها،
ولا السؤال الممجوج! أتعرفني؟ مع أن الصِلة لا تكون إلا مرة في العام أو في الأعوام
المتعددة، فيجمع الزائر حشفا وسوء كيل، قطيعة وسماجة، وكذلك من حماية كبار السنّ وصادق
الحب لهم في تلك الاجتماعات العائلية الخاصة استخدام البدائل الصحية من الحلويات
والأطعمة ولو كانت مكلفة، فإنهم أي الكبار سرعان ما سيفارقون تلك المجالس وأهلَها،
وسيتحسر من فقدهم بفقد مظلة ومتعة اجتماعهم، فاجعلوا لحظات الاجتماع بكباركم لحظات
ماتعة مضمّنة الحب والاحترام، واكتسبوا خبراتهم التي سرعان ما ستضيع بموتهم، ومن
حقوق كبار السن خصوصا الوالدين عدم نقل الأخبار الموجعة ولا الحديث عن المعاناة الشخصية
من العمل والدَخل ووسائل التنقل وغيرها، يتحدث البعض بمعاناته أمام والديه أو أمام
الآخرين المحبين له الذين لا يملكون حلا لمشكلته بخلاف من يُستمد منه الرأي
والمشورة، يتحدث لأجل أن يُنفّس عن نفسه ولا يبالي بما يصنعه من همّ وقلق واضطراب
نفسي في نفوسهم بالرغم من بالغ حبهم له.
وفي المسجد كلٌ له حق العبادة في جو مناسب يُشعره
بقيمته، وكبار السن هم الأولى خاصة إذا حضروا مبكرا قبل الإقامة، ولا يصح اتخاذ
رغباتهم وكراهيتهم لما يضرّهم سببا للفكاهة والسخرية.
وللأم الأرملة خاصة وصية خاصة، فهي في وجود
زوجها تستمد منه قوة وعطاء، ولكن بعد رحيله عنها تفقد أسباب استمرار عطائها الجالب
لفرحتها ولحب الصغار والعَامِلة لها، فغالبا هؤلاء لا يُستغنى عن حبِهِم، وحُبُهم
لا يستخرج منهم إلا بالبذل والعطاء المناسبين، وبالعطاء تحقق ذاتها وتثبت وجودها، وقد
يكون الأب في بعض الحالات مثل هذا فاصنعوا بهجتهما بإعانتهما على البذل والعطاء
حين كِبرهما وعجزهما، وذلك بتقديم ما تيسر من المال لهما وبعدم محاسبتهما ولَوُمِهما
على إنفاقهما، وإن أفسدت عطاياهما خُلقا لطفل أو عاملة فليُنبها بلطف لذلك.
ختاما لنتذكر أن من أفضل العمل سرور تدخله
على مسلم فكيف بسرور تُدخله على والديك أو على من يحتاجه من أصحاب الفضل في مجتمعك،
وأن ما تُقدمه هو دَينٌ ستسرده يوما ما، فأحسن البداية تحسن لك الخاتمة، واستفد من
خبرات من سبقك تختصر مسافة تحقيق أهدافك، واعتنوا بنشاط وصحة وثقافة كباركم فهم
أخياركم وأسباب رقيّكم، ومن كان صالحا وقصّر يوما فإن الله للأوابين غفورا، ولا
زال في العمر فسحة لعمل أفضل.
تعليقات
إرسال تعليق