من أهم النعم الحياة الزوجية فوجب حسن العشرة والرعاية

 إن من أهمّ القضايا التي اعتنت الشريعة بها هي قضية الأسرة وتكوينها، وفي القرآن الكريم آيات عظام تحثّ وتدعو لتكوين الأسرة، وتعد طرفي العلاقة من زوج وزوجة بالعون وهبة أسباب التوفيق واستدامة الحياة، وتوجّه نحو أفضل أسباب صناعة حياة أسرية ناجحة بهيّة. يقول تعالى "وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ" وقال تعالى "وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ" وفي الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيلِ الله، والمكاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ} الترمذي والحاكم وابن حبان.

إن الأسرة الصالحة المستقرة هي ثمرة لوجود المرأة الصالحة يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» مسلم. ولكن لن تكون المرأةُ الصالحةُ قادرةً على إصلاح الحياةِ لأسرتها ما لم يوجد زوج يُعينها، فوجود زوجين صالحين يشتركان في الهمّ وفي القصد وفي عملية الإصلاح، سيجعل من الأسرة قرة عين لبعضها، وهذه مسئوليتهما التي اجتمعا عليها وأخذا الميثاق من بعضهما عليه.

أمر جلّ وعلا بحسن العشرة فقال سبحانه "وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡ‍ٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا" وقال تعالى "ولَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ} مسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» متفق عليه. ولو تأمل أحدنا في ذلك لوجد الضلع ضلعه والعوج في أصله من عنده، ولو راجع كلٌ خُلقه لوجد لديه عيوبا هي أولى بالالتفات إليها وإصلاحها، ولوَجد لشريكه عذرا فيما كرهه فيه من خُلق.

الإخوة التوأم أكثر مخلوقين متفقين عادة ومع ذلك لابد وان يختلفا في الرأي وفي الاحتياج فما بالك باثنين لا صلة بينهما قبل عقد الزواج! أليس الاختلاف بينهما أولى من الاختلاف بين التوائم؟ الحياة الزوجية شراكة بين طرفين مختلفين ولابد وأن تمرَ بتحديات وصعوبات، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والاستسلام لهذه التحديات ضعف لا يليق بمسلم ولا بمسلمة، وإن من التحديات وجود المخببين والمخببات، وما أكثرهم سواء أخببوا بقصد أم بغير قصد، وسواء أخببوا في مجالسهم أم في برامج التواصل الافتراضية، فمن يذكر الحياة الزوجية بسوء ويُزيّن الحياة بدون الشريك، ويخيل لأحدهما وجود مخلوق يفهم الاحتياج ويعيش الأجواء المحببة بكمال وجمال لا مشوّه له، فهو مخبب لن يجد رائحة الجنّة، وقد قال عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا. صححه الألباني. وما يقال في المرأة يقال في الرجل، وإن مِن تجاوز التحديات إدراك أنهم بهذا العمل ليسوا منك ولا معك فليسوا لك بأصحاب ولا ناصحين، وبالتعامل معهم بذكاء فلا يُحسنُ الظنّ بهم ولا يستجاب لهم، ثم بالتأمل في تصرفاتهم هل هم فعلا تعاملوا مع شريك حياتهم بما ذكروا؟ وما عاقبتهم؟ أم هو مجرد حديث يُنفس به عن النفس ولو أفسدوا حياة غيرهم؟ وبإدراك أن الجلوس مع هؤلاء المتذمرين والاستماع لهم غباءٌ ووباءٌ يُنزله المرء بنفسه ويفسد به حياته، فيكون العلاج بالابتعاد عنهم. ومن أسباب تجاوز التحديات التغاضي عن الهفوات، ولِينِ الجانبِ لحد مناسب، والتفاعل الإيجابي مع المتطلبات وفق المستطاع، فكل خَطَّاء وكل لديه قصور، وخير الناس من قدّرَ الضعف والجهل واتصف بالرحمة والعفو، خاصة مع شريك وصف الله تعالى العلاقة معه بقوله "هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّ" وبقوله سبحانه "وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا" ولنتذكر قوله عليه الصلاة والسلام: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» وقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» فعلى المسلم والمسلمة استحضار جميل الأخلاق في الشريك وإن أخفاها غضب او موقف عارض، والنظر للجوانب المشرقة في حياتهما الماضية وفي سيرتهما مع بعضهما. كما يجب على المسلم صيانة لروحه ولجسده ولأسرته البعد عن كل ما يُكدّر خاطره ومزاجه من أخبار ومشاهد لا دور له في علاجها ولا مكسب له منها إلا الألم. عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا، وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا. نسأل الله الهداية لأحسن الأخلاق ومجانبة مساوئها. 

التحديات في الحياة الزوجية كثيرة متكررة، والمفسدون كثر متنوعة أساليبهم، وكل ذي نعمة محسود، ومن حظي بأسرة صالحة مطمئنة فعليه الحفاظ عليها مهما كثرت وتنوعت التحديات، ولكن من ابتلي بعلّة لا علاج لها فالطلاق شرع لوقاية الطرفين من الظلم بالاستمرار في حياة غير مستقرة ولا مطمئنة ولا مستوفية الود والرحمة، ولأجل بناء أسرة جديدة بعد تعذر استمرار حياة تلك الأسرة، وللطلاق أحكام يجب مراعاتها أهمها عدم التساهل في طلبه وعدم التساهل في لفظه وإدراك أن اللجوء إليه بدون مبرر صحيح يجعله سببا للحرمان من الجنّة قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ" أبو داود والترمذي وصححه الألباني. وما يقال في المرأة فهو في الرجل كذلك، لما في ذلك من ظلم للطرف الآخر. ومن ابتلي بالتفكير في الطلاق فليتذكر قول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ" مسلم. فأعظم الفتن فتنة التفريق بين الزوجين، والفُرقةُ صناعة شيطانية، والمسلم العاقل لا يُمكّن الشيطان من بغيته وقصده، ومن ابتلي بالاضطرار للطلاق فعليه مراجعة حياته مع شريكه وملاحظة مصدر الإشكال لعله يمكن علاجه، وتفقد أسباب فَقدهما لما وهبهما الله ووعد به من تراحم وود وغِنى وعون، واستشارة أولي الألباب من أحبابه وأصحابه وذوي الاختصاص، وكذلك عليه الانتباه للأحكام الشرعية المتعلقة بوقت إيقاع الطلاق وبلفظه الصحيح وبالإجراءات فيما بعد وقوعه، وبترتيب أوضاع أفراد الأسرة بعد الافتراق عناية بهم وحفظا لهم.

حفظنا الله وحفظ لنا أحبتنا وحفظ لنا كل خير وهبنا،

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل