الرفق باب خير ما كان في شيء إلا زانه
كلنا يريد أن يحيا بخير وأن يظلله الخير، وأن يكون في نفسه ومع أهله وجيرانه في خير وعلى خير، ومن حكمة الله تعالى ومن سننه الكونية أن ربط تحصيل ذلك الخير بسلوك نحبه ونتمنى أن نجده في أنفسنا وفي أهلنا وممن حولنا، ومن رحمة الله تعالى أن جعل سبيل ذلك إلينا وباستطاعتنا، وقد أرشدنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتحقيق هذا الخير والعيش في ظله حيث يَقُولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْخَيْرَ» مسلم. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» وفيي رواية «دَلَّهُمْ عَلَى بَابِ الرِّفْقِ». وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" مسلم. وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» مسلم. وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "خَرَجَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْبَادِيَةِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَعْطَانِي بَعِيرًا آدَدَ صَعْبًا لَمْ يُرْكَبْ عَلَيْهِ -بمعنى يسرع وصعب القياد- فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ، فَقَالَ لِي رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَائِشَةُ، ارْفُقِي بِهِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ " أحمد وصححه الأرناؤوط. وعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ» متفق عليه. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا» متفق عليه. وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» متفق عليه. وكان من عادته عليه الصلاة والسلام في الصلاة ان يجعل طول الصلاة وقصرها بحسب الظرف العام للمجتمع، وفي الحديث "نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ خولكم، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمنْ جَعَلَ اللهُ أخاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَليُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا يُكَلِّفْهُ مِنَ العَمَلِ ما يَغْلِبُهُ، فإِن كَلَّفَهُ ما يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْه" البخاري.
وقبل ذلك كله يقول تعالى "وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا" منهج رباني لجلب الخير من خلال الرفق في الشأن كله رفق على النفس في الصلاة والدعاء ليكون غير ذلك من أمور الدنيا من باب أولى فارفق بنفسك ولا تكلّفها ما يُقلقها ويضرها ويجلب الخطر لها، رفق على الأهل وعلى الخدم وعلى المصلين وعلى الدواب حين تُركب، بل وحين تذبح!، رفق حتى مع الأعداء فما بالك بالمسالمين والجيران والزملاء، الرفق حينما يكون سلوك عام للمسلم حتى يُعرف به فإنه يجلب به الخير لنفسه وبسببه يرتقي في المنازل عند ربه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» مسلم. فطوبى لمن فاز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله من أهلها ورفق بنا وبأحبتنا.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ، عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟» قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ} متفق عليه. كان يرفض الرفق بالمَدين فيضع عنه شيئا من دَينه فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام يصفه بالمتألي على الله، هاله ذلك فاعترف بخطئه وأعطى المدين حرية السداد كيفما شاء خوفا من تلك الصفة المفزعة، وهي التألي على الله، ومثل هذا من يُوصف بأنه لا يرحم ولا يريد لرحمة الله أن تنزل. الرفق رحمة من الله تعالى يمنّ بها على من يشاء الرفق رحمة من الله تعالى يمنّ بها على من يشاء فاحسب مدى استحقاقك لرحمة الله ومقدار فوزك برحمة الله من خلال موقع الرفق في سلوكك مع من حولك من أسرتك وجيرانك وطلابك وزملاء عملك ومراجعيك في دائرتك، تفقد قيادتك لسيارتك تفقد ردة فعلك الدائمة على من رأيت منه خطأ، وأَنعِ نفسك إن وُصفتَ وعُرفتَ بالغليظ الشديد قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» مسلم. (كل ضعيف متضعف) معناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا، وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها وسكونها وخضوعها للإيمان، وأما (كل عتل جواظ مستكبر) العتل الجافي الشديد الخصومة بالباطل، وقيل الجافي الفظ الغليظ، وأما الجواظ فهو الجموع المنوع، وأما المستكبر فهو صاحب الكبر وهو بطر الحق وغمط الناس. قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِنْ أخْيَرِكُمْ وأَحَبِّكم إليّ أَحْسَنَكُمْ خُلُقاً" البخاري. وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء. الترمذي وصححه الألباني.
قال عبد الله بن المبارك حُسْنَ الخُلُقِ: «هُوَ بَسْطُ الوَجْهِ، وَبَذْلُ المَعْرُوفِ، وَكَفُّ الأَذَى»
وأختم بقول مُعَاذِ بْنَ جَبَلٍ: آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم: يا مُعَاذُ أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ.
ثم صلوا وسلموا على أحسن الناس خلقا وأعلاهم منزلة ولن يسعد بالفوز بقربه إلا من اتبع سنته وحسن خلقه وأكثر الصلاة عليه كل حين وبالأخص حينما يذكر اسمه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
تعليقات
إرسال تعليق