حول العلم وفضله ودوره في صناعة الحياة ( بدء العام الدراسي 1446 هـ )
يقول ربنا تبارك وتعالى "ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ" إن افتتاح الوحي وابتداؤه بهذه الآيات لدليل على أهمية العلم في تحقيق صدق وصحة العبادة، ولتحقيق الريادة في الحياة، ولتخطي جميع التحديات والمعوّقات، وتأمل الربط بين القراءة والتعليم بالقلم لتدرك بأن العلم هو عملية الجمع بينهما أي القراءة والكتابة، تأمل الربط بين القراءة وبين الخلق، وانتبه للإشارة إلى خلقة الإنسان كيف كانت وكيف صارت؟ فقد ربط سبحانه بين التعليم وبين خلقة الإنسان من تلك العَلَقة المكروهة التي لا قيمة لها مبينا بذلك علمه سبحانه ومنبها إلى أن الإنسان بالعلم سيصنع أشياء عظيمة عجيبة، يصنعها مما قد يراه محتقرا لا قيمة له، وما كان في النظر مستحيلا بالعلم سيكون حقيقة واقعة. وانظر وتأمل فيمن حولك لتدرك أثر العلم في التمييز بينهم، ولتدرك أنه لا سبيل للحياة الماتعة المُنعّمة إلا بالعلم والتعلم، ولا تعليم يُعلِّمُ العِلمَ حقا إلا عِلمٌ بُني على صدق بذل من المعلم وصدق عزم من المتعلم وصدق تعاون من أهل وبيئة المعلم والمتعلم.
لمّا خلق الله تعالى الناس ميّز بعضهم عن
بعض بحسب تعلمهم وصبرهم على العلم والتعلم والمثابرة فيه يقول تعالى "قُلۡ هَلۡ
يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ"
وأسعد الناس حظا في مجال التعليم هو المعلم فإنه
إن صدق فاز بكل خير يقول إمامنا وسيدنا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه: إِنَّ
الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات وَالأرْضِ حَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا
وَحَتَّى الحُوت لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ. الترمذي
والدارمي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً
سَلَكَ الله بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ وَإِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها
لطالب العلم رضا بما يَصْنَعُ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي
السموات وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ
الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ
الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ
لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ
أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظَ وَافِرٍ. أحمد وابن حبان وغيرهما وصححه الألباني. كُثر هم الذين
تسنموا مناصب قيادية بسبب علاقاتهم ونسبهم ولم يعتنوا بالعلم والتعلم في مجالهم،
فاستغنى المنصب والناس عنهم ولم تغن عنهم علاقاتهم ومكانتهم، ولو تأملت فلن تجد من
لزم العلم والتعلم في كل مراحل عمره ثم خاب وندم. قال عليه الصلاة والسلام: وَمَنْ
بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» مسلم.
أخي المعلم لقد كانت دعوة إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام لذريتهما "رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ
يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ
وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ" فاصدق العمل وتحمل الأذى واصبر، كن
معلما مربيا رحيما مبشرا تكن أنت تلك الدعوة وتكون منّة الله وفضله على طلابك
"هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّۧنَ رَسُولٗا
مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ
وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ وَءَاخَرِينَ
مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ذَٰلِكَ فَضۡلُ
ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ" واعلم أن خير
وقفٍ توقفه لنفسك هو ولد صالح يمدّك بالأجر عند عجزك وبعد موتك، وطلابك هم أولادك كما
هي ذريتك إن أخلصت النية وصدقت التعليم وبذلت النصح لطلابك، وخذ زاداً وطاقةً في
عملك بعلمك بانك من ورثة الأنبياء وبأن الله وملائكته يصلون عليك في كل يوم دراسي
وفي كل حِصة دراسية وفي كل تعليم تعلّمه.
ولكل رب أسرة ولكل طالب ولكل متزود في العلم والتحصيل استعن في تحمّل تبعات التعليم بعلمك بأن الله قد سهّل لك ولأولادك طريقا إلى الجنة وأن الملائكة تضع أجنحتها لك تيسيرا لطريقك وعونا لك في سعيك في هذا التعلّم وذلك كل صباح أو مساء تذهبون فيه للمدرسة أو الجامعة ونحوها، وأن ما تبذله لهم هو صدقة منك عليهم. واعلم أن أولادك لن يتعلموا حق التعلم إن تركت الأمر كله للمدرسة، فعليك أن تكون مشاركا للمدرسة في تعليمهم وتربيتهم، وطوّر نفسك تبعا للتطور الذي يعيشه مجتمعك خصوصا في تقنيات التعليم ومواده الحديثة واحذر حيلة الشيطان حينما يقول لك هذا جيل غير جيلك! أو يقول هذه وسائل لا يمكنك إدارتها وتنظيمها! فمع الرغبة والجدّ والاهتمام والدعاء والانتقاء للأنسب ستكون قادرا ومتميزا حتى ولو كنت متقدما في السنّ.
وفي سياق الحديث عن العلم ورفعته لأهله ثمة خبرين من السلف يحسن ذكرهما الأول عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ e قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ فِيهِمْ، قَالَ: «فَتَرَكْتُ ذَاكَ وَأَقْبَلْتُ أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ e وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي» فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟، فَأَقُولُ: «لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ» قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلِي يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: «هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي» فانتبه رعاك الله حتى لا تقل يوما ما كان زملائي أعقل مني، تدارك نفسك ما دامت الروح والعافية ملازمتين لجسدك.
والثانية: قال يعقوب بْن إِبْرَاهِيم أَبُو
يوسف القاضي أكبر أصحاب أبي حنيفة، كنت أجالس الرشيد وآكل معه عَلَى مائدته، فلما
كَانَ فِي بعض الأيام قُدِم إلي هارون فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منه فليس فِي
كل يوم يُعمل لنا مثلها، فقلتُ: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن
الفستق، فضحكتُ، فقال لي: مم ضحكت؟ فقلتُ: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين، قَالَ:
لتخبرني وألحّ علي، فقلتُ: تُوُفِّيَ أبي وخلَّفني صغيرًا فِي حجر أمي، فأسلمتني
إلى قصَّار أخدمه، فكنتُ أدع القصار وأمرُّ إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أستمع، فكانت
أمي تجيء خلفي إلى الحلقة، فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أَبُو حنيفة يُعنى
بي لما يرى من حضوري وحرصي عَلَى التعلم، فلما كثر ذَلِكَ عَلَى أمي وطال عليها
هربي، قَالَتْ لأبي حنيفة: ما لِهذا الصبي فسادٌ غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء لَهُ،
وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا يعود بِهِ عَلَى نفسه، فقال لَهَا
أَبُو حنيفة: مُرّي يا رعناء هذا هُوَ ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت
عَنْهُ، وقالت لَهُ: أنت شيخٌ قد خرفت وذهب عقلك، ثُمَّ لَزِمتُه فنفعني الله
بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، فقال هارون الرشيد: لعمري إن العلم ليرفعُ وينفع
دينًا ودنيا، وترحم عَلَى أبي حنيفة، وقال: كَانَ ينظرُ بعين عقله ما لا يراهُ
بعين رأسه.
بُني أسرتك تدفعك إلى التعلم وتعينك عليه
ولا تطلب منك عونا لها على معيشتك، بخلاف جيل من سبقك حيث صعوبة المعيشة، فانظر
بعين عقلك واستغل الفرصة فتعلّم وستجد ما كنت تراه عجيبا مستحيلا حقيقة واقعة
يتعجب منها كثير ممن عاصرتهم وكنت أعقل منهم، راجع فرص التعلم لديك وحاسب واختبر نفسك
وقيّم مسيرتك تكن حيا مستنيرا مُنعمّا، قال تعالى "وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ
وَٱلۡبَصِيرُ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن
يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ"
تعليقات
إرسال تعليق