عاشوراء درس للصبر والفأل والأمل ودروس في الحذر من المغتابين

يدعونا ربنا سبحانه للتأمل في الكون وفي التاريخ، والتأمل في سيرِ من كان لهم أثرٌ فيما مضى! وكيف كانت عاقبة كل منهم وأخذ العبرة من ذلك بلزوم أسباب الفلاح والنجاة وبالحذر من أسباب الردى والهلاك.

عمّا قليل يحلّ علينا يومٌ عظيم، فيه نصر الله الحقَ وأهله ودحر الباطل بكل جبروته، نصرا ودحرا من حيث لم يحتسب الطرفان. "فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ" "وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ"

يومٌ عظّمه أهل الإيمان في وقته واستمر التعظيم إلى يومنا هذا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» متفق عليه.

ومن يوم عاشوراء تُستقى العِبر، فمهما تعرضت للأذى ومهما مرّ بك من التحديات والإحباط والخذلان والابتلاء فلن تكون مثل موسى عليه السلام أبدا. ولئن كان صِدقُ المعتقد وصفاء النية وطهارة القلب والقوة والصبر والحلم هي أسباب بأمر الله في نجاته ونجاحه، فلن يكون لك ثمة أسباب غيرها، ولئن كان الضرر الذي حلّ به عليه السلام وعلى غيره من الأنبياء والصالحين إنما وقع بسبب حسد ووشاية وخديعة وخيانة من الأقربين، فلا تظن نفسك غيرا عنهم ولا مقربوك بأفضل من مقربيهم، فخذ العبرة وتوقع ما تكره واسع لقرة العين بتحكيم عقلك وبلزوم أسباب الفوز والنجاة، وبعدم السماع للوشاة والنمامين وعدم إعادة التجربة الخاطئة. وما أكثر الله تعالى من الحديث عن موسى وخبره إلا تسلية للنبي محمد عليهما الصلاة والسلام ولأمته.

لقد هُدِدَ عليه السلام بالقتل قبل مولده، وتعرض للملاحقة في شبابه وخاض تجربة الهرب واللجوء والغربة والعمل الشّاق وهو في مقتبل عمره، وكل تحدي خاضه كانت عاقبته خيرا لم يتوقعه لا هو ولا من حوله، وكل مكروه نزل به صارت له آثار محبوبة من حيث لا يحتسب، ذلك أن لله تعالى حكمة في كل ما يحدث ورحمة تحوط عباده في كل ما يحدث لهم، ليكون الجمال محيطا بهم في كل شأنهم والخير عاقبة أمرهم، فلا تجعل من نفسك ولا من أي أحد من البشر حكما على المستقبل وعواقب الأمور، فتيأس وتستسلم، لأن الأمر كله لله وهو أرحم الراحمين.

وفي يوم عاشوراء نستذكر سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه ولعن من قتله. شاب في ريعان الشباب وفي فورة حماسة الشباب تستغل طهارة قلبه وثقته في المظهر الحسن والكلام المزوّر بقصد الخير للأمة، فيُجرّ لفتنة وكارثة عليه رضي الله عنه، وعلى أحبته، بل وعلى الأمة جميعا، فخُذ العبرة فاحذر كل مغتاب ونمّام يُفسد عليك علاقتك بالآخرين أسرتك أو مجتمعك ووطنك، لا تثق في مغتاب ونمّام مهما زان مظهره ومهما أرضى كلامه ما في نفسك فإن من حرّم الله عليه الجنّة فالنجاح الدنيوي محرم عليه بداهة، فكن على حذر وانتبه لنفسك واصنع مستقبلك بعيدا عنهم، بعيدا عن كل نمام ومغتاب، لا تفسد على نفسك حياتك بالإساءة لأسرتك أو لوطنك أيا كان ما سمعته، فإن كنت في نعمة فارعها. 

يوم عاشوراء يومٌ من أيام الله، له خصوصيته ومكانته، فيه نصر اللهُ الحقَ وأهله وأبطل الباطل وأهلك أهله، عاشوراء رسالة للمؤمنين أن كونوا على العهد تفوزوا بالوعد. ومن العهد الواجب لزومه معرفة فضل الله علينا فنشكره برعاية النعمة من خلال حسن العبادة وصدق الصلة به سبحانه والبعد عن أهل الشكاية والغيبة والنميمة والمحافظة على نعمة الأسرة ونعمة الوطن ونعمة الألفة والودّ مع الجميع.

واعلم رحمك الله أن نبيك الحبيب الذي أحبك وتمنى رؤيتك أخبر عنه ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ يَوْمًا يَتَحَرَّى فَضْلَهُ إِلَّا عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرُ شَهْرُ رَمَضَانَ. وأنه عليه الصلاة والسلام قد قال: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ، فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ، فَلْيُفْطِرْ» متفق عليه. وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» مسلم. وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يَعْنِي مع يَوْمَ عَاشُورَاءَ. مسلم. فتأس بحبيبك رسول الله صلى الله عليه وسلم تكن محبا له حقاً وتكن مستحقا حبّه لك وحبّ الله لك ومستحقا الورود على حوضه ومصاحبته نحو أبواب الجنّة. وأكثر الصلاة والسلام عليه دوما وبالأخص في يوم الجمعة، ولا تحرم نفسك عشر صلوات من ربك مقابل كل صلاة منك على حبيبك وسيدك محمد.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل