طول الأمل آفة العمل

الحمد لله الحيّ القيّوم، الواحد الأحد، الملك مدبر الأمر، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه، وارقبوا يوم ملاقاته فاسعوا لجعله يوما سعيدا يقول تعالى "وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ" فأمر سبحانه بتقديم ما يصلح الشأن في الدنيا والآخرة ونبّه سبحانه بأن لنا موقفا بين يديه جلّ جلاله سنقفه بلا شك، فأما من آمن وعمل صالحا فله اليوم البشرى بالسرور ذاك اليوم، يقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا"

عباد الله بالأمس بدأ العام الدراسي وكل الطلاب حدّثوا أنفسهم بأن هذا العام سيكون عاما مختلفا أفضل من سابقه، وكلٌ وعد نفسه بجهد أكبر سيبذله، وكلٌ تخيل سرورا بالغا في نهاية عامه الدراسي، ثم ما لبثت الأيام تمضي بهدوئها المعتاد، وكالمعتاد يأتي الهمّة ما ينهشها من العوارض الصارفة من علل صحية أو ارتباطات أسرية أو رحلات برية، وجاءت الأجواء الجميلة اللطيفة فكانت لبعض محفزة للهمم مساعدة في تحقيق الهدف، وكانت لآخرين مُلهية مُضيّعة للوقت حيث طاب لهم السفر والسمر والسهر ليضيع الحلم باللهو والكسل، مرّت الأيام وحلّ الملل من طول العام بالرغم من قولهم ما أسرع ترحل الزمان، مرّت الأيام وكأن لم يكن ثمة همٍّ ولا مللٍ ولا ثمة فرحٍ ولا ترحٍ، مرّت الأيام وكأن تلك الصوارف بمتعها أو بآلامها لم تمرّ ولم تعايش، رحلت تلك المُتع وتلك السهرات وبقي الذهن عند اللاهين خاليا من التحصيل إلا من شيء بالكاد يُبلّغ صاحبه الحد الأدنى للنجاح، فكانت الجملة الشهيرة يا ليتني قدّمت لحياتي.

وما العام الدراسي وخائضيه إلا مثالا للحياة الدنيا وأهلها، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخُطُوطًا إِلَى جَانِبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخَطًّا خَارِجًا مِنْ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ الْخَطُّ الْأَوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا، أَصَابَهُ هَذَا، وَالْخَطُّ الْمُرَبَّعُ الْأَجَلُ الْمُحِيطُ، وَالْخَطُّ الْخَارِجُ الْأَمَلُ. البخاري. كلنا كذاك الطالب في بداية عامه الدراسي وطموحه العالي، دوما نأمل تحقيق أفضل مبتغى وننظر لكل متيسر على أننا سنحصّله ولو تأخرنا في السعي لكسبه، نتقاعس بحجة إمكانية التدارك وما يلبث الزمن أن يغادرنا ونحن منشغلون عن مصالحنا بغير صالح لنا، نشغل بتلك العوارض من خير أو شر من لهو وعبث عن المصالح العليا المفترض وصولنا إليها، حتى إذا مضى بنا الزمان ضربنا كفا بكف وقلنا يا ليتنا قدّمنا لحياتنا، فما أسرع الدنيا التي كنّا في فترات نستطيل لحظاتها ونتحدث عن الملل من أجوائها.  قال عليُّ رضي الله عنه: ارْتحَلَتِ الدنيا مُدبرةً، وارْتحَلَتِ الآخرةُ مُقْبلةً، ولكلِّ واحدة منهما بَنُونَ، فكُونوا مِنْ أبناءِ الآخرةِ، ولا تكونوا مِن أبناءِ الدُّنيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حِسابَ، وغداً حسابٌ ولا عَمَلَ. وكانَ ابْنُ عُمَرَ يقُولُ: إِذا أَمْسيْتَ فلا تَنْتَظِر الصَّباحَ، وِإذا أَصْبحْتَ فلا تَنْتَظِر المساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمرضكَ، وَمِنْ حياتكَ لموتِكَ. ولئن لم يقبل اعتذار المتردي في دراسته باتهامه لمدرسته ولم تقبل حجته بأنه يعيش حياته، فكذا من خفت موازينه لا قبول لمعاذيره.

ما هي عزائمنا لمّا حلّ رمضان؟ وما هي أمنياتنا لمّا بلغنا نهايته؟ وقريبا ستحل عشر ذي الحجة وربنا يعلم أيّنا سيبلغها مع أنها قريبة منّا، فهلّا عزيمة تجعلنا نتدارك فضلها! ولو رحلنا قبلها كُتِبَ لنا أجرها بسبب نيتنا، نعزم الآن لأنه لا كمال للتحصيل بدون عزم مسبق ومعرفة لما سيُقدّم. فلنقدّم لأنفسنا اليوم ما يسرّنا أن نجده غداً بين يدي لقاء ربنا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» متفق عليه. وعَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ" أسأل الله لي ولكم ولأحبتنا العون على ذكره وشكره وحسن عبادته، والفوز بالسعادة وقرة العين في الدنيا ويوم ملاقاته وأن يغفر في ساعتنا هذه لنا ولجميع المسلمين.

 

الحمد لله القائل "وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡ" والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين. عباد الله قريبا ستحل فرصة عظيمة يواليها الله تعالى على عباده ليكسبوا عبرها سرورا في دنياهم وأخراهم، هي عشر ذي الحجة، أيام لا يخفى فضلها ولا تُجهل عباداتها، وإنّ من أجلّ العبادات في الإسلام عبادة الاستعداد للعبادة كما في التبكير للصلاة وكما انتظار الصلاة بعد الصلاة فهي عبادات استعداد وتهيؤ، وكما في تعلق القلب بالمساجد فإن تعلق القلب بالفرص هو كذلك ذو فضل عظيم،  فما هي أفكارك لاستغلال العشر التي إن حلّت فسرعان ما سترحل، ومن لم يعرف اليوم ما سيعمل غدا فلن يسعفه الوقت ليتعلم، ومن لم يبدأ اليوم فسيكون الغد أثقل، ومن لم يستفد من حماسة وإقبال إخوته للعمل في المواسم الفاضلة فسيصعب عليه العمل لوحده. وإن حال الطلاب مع عامهم الدراسي هو حالنا مع حياتنا فالآمال عظام ولكن الزمان سريع الترحال وأوقات الفرص محدودة والآجال محيطة محتومة، والعاقل من راجع نفسه وغيّر سلوكه الذي ضيّع عليه فرصه، وخطط لغده لكسب مدخرات من الحسنات يعوّض بها النقص والخلل الذي سيجلبه الملل والعِلل وتباعد المواسم الفاضلة وقلة الإخوان العاملين الداعمين.

من باب توسيع مجالات العمل الصالح استغلالا للفرص قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» مسلم. ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًاإِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل