إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا
ذات يوم وقد بدأت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بوادر حرب ضروس مع عدو شديد البأس قوي العتاد كثير العدد، مما يجلب عادة شدة القلق واضطراب النفوس وضعفها، أرشدهم الله وسائر المسلمين في كل زمان إلى ما يرفعون به القلق والتوتر عنهم ويجلب لهم الطمأنينة الموصلة للفوز والفلاح في كل شؤونهم سواء في حروب أو في مصالح شخصية مهمّة، أمرهم وأرشدهم إلى كثرة ذكر الله تعالى وإقامة الصلاة في وقتها مهما كانت شدة الحال وخوف غدر العدو ومفاجآته، ثم أعقب سبحانه ذلك بقوله تعالى "فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا" فإذا قضيتم الصلاة سواء حال الطمأنينة أو الخوف، وسواء صلاة نافلة أو فريضة في حال سفر أو إقامة، فأكثروا من ذكر الله بعد الصلاة ففي ذكره سبحانه طمأنينة وبشرى بقربه سبحانه، والحفاظ على الأذكار بعدها تعظيم لها، إذ من التوفيق المهم التوفيق لذكر الله في كل حال، والإعانة على إظهار التعظيم للذكر وللصلاة، ومن علامات الثبات وقوة الصِلة بالله إقامة الصلاة في وقتها المحدّد. وهذه بشارة لمن حظي بهذا بصلاح حاله ومآله وكمال توفيقه. وكما شرع جلّ وعلا للمقاتلين كيفية في الصلاة تناسب حالهم شرع جلّ وعلا للمسافر كيفية في الصلاة تناسب ظرفه القائم، مما يكشف للعبد لطف الله به ومراعاة أحواله وأهمية أداء الصلاة في وقتها.
فإذا
اطمأن العبد أي وصل موطنه وأهله واستقر به المقام، فعليه إقامة الصلاة تامّة
بشروطها وأركانها لا تُقصر ولا تُخفف ولا تُؤخر عن وقتها المحدد، إذ الصلاة في
الأصل مربوطة بوقت لا يُقبل مخالفته لا تقديما ولا تأخيرا إلا لأعذارٍ بيّنها
الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله وبفعله، ومخالفة الوقت بغير عذر تكشف للعبد بُعده
عن ربه وخذلان ربِه له.
لقد حدّد
جلّ وعلا للصلاة أوقاتا خاصة وأنزل جبريل عليه السلام يعلّمها لنبينا صلى الله
عليه وسلم وهي الأوقات المعروفة المشهورة لدى المسلمين كافّة، فقد جاءه في يوم
وصلى به الصلوات الخمس كل صلاة في بداية وقتها ثم جاءه في الغد وصلى به الصلوات
الخمس كل صلاة في آخر وقتها ثم قال له: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ
الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ. وقد
جاء في الحديث الصحيح عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: «إِنَّ
لِلصَّلَاةِ أوَّلًا وَآخِرًا، الحديث.. ثم ذكر الأوقات المعروفة. وهي أوقات
موسّعة تكفي لأداء الفريضة ونوافلها بدون ضرر على أية مصلحة أخرى، مما يُبيّن
للعبد أن لا مسامحة في التأخر ما دام يعقل ويعي، وأن لا مسامحة لمن فرّط دوما في
صلاة الجماعة، وأما من فقد عقله لنوم غلبه أو مرض أفقده وعيه فهو معذور في التأخر،
إلا أن استدامة التأخر بسبب النوم يلغي العذر إذ هو تعمد لتأخير الصلاة عن وقتها، وإن
الإنسان ذا السلطة المحدودة ليغضب على من تحت يده إذا رأى منه تهاونا بأمره وعدم
اهتمام بموعده وقلة مبالاة بملاقاته! فكيف يكون الأمر مع الله جلّ في علاه؟ أتراه
جلّ جلاله وهو الخالق المنعم المتفضل يرضى ويسامح متعمدا للتهاون والتفريط
باستمرار في فريضة حظيت بعناية خاصة منه جلّ وعلا؟
إن العناية عباد الله بالصلاة في أوقاتها المحددة جماعة هي ميزان العبد لإيمانه، وأما التأخر المتعمد للصلاة عن وقتها والتخلف المستمر عن صلاة الجماعة فهي علامة صريحة للمنافق، وكلٌ على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، فاتق الله في نفسك يا من أوهمت نفسك بالعذر لمجاوزة الوقت أو لترك الجماعة، اتق الله في نفسك فامنحها عون الله وتوفيقه، وامنحها قرب الله وحسن الصِلة به، وامنحها طمأنينة وراحة لن تجدها بعيدا عن الصلاة في وقتها. يقول سبحانه "۞إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ" فالصلاة سبب رئيسي للسلامة من الهلع والجزع والبخل التي هي من مساوئ الصفات والأخلاق الإنسانية الموجبة لسخط الله ومقته عياذا بالله تعالى وسبب للخروج من الأزمات بهدوء وسلامة.
وإنّ في صدور الأمر السامي بوجوب مراعاة أوقات الصلاة حين الترتيب لمواعيد المباريات التي هي مرتبطة مسبقا بمواعيد للبّث الإعلامي ومجدولة على مدى العام، لهو تبيان لتعظيم ولاة الأمر لهذه الصلاة ولوقتها المحدد والله تعالى يقول "ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ" وعلى هذا قامت هذه الدولة المباركة وهذا مبدأ أعلنه وسار عليه المؤسس رحمه الله ومن بعده أبناؤه، وهذه دعوة من القيادة للشعب عامّة لتعظيم هذه الصلاة ومراعاة أوقاتها والاهتمام بها استجابة لأمر الله وأمر رسوله وتجنبا لصفات المنافقين، فواجب على كلٍّ منّا تعظيم هذه الصلاة في بيته ومع أسرته لأجل الفوز بالتمكين في هذه الأسرة حبا وإدراة، وواجب على كل تاجر وناشط في أي مجال السير على هذا المنهج، إذ لا توفيق ولا فلاح لمن أظهر التهاون بهذه الفريضة، خصوصا وكل ما يُتعذر به لا يمكن أن يصل لعذر من ارتبط بجهات بثّ عالمية، ولئن أمرنا بإقامة الصلاة جماعة في حال الحرب وحال السفر وبُيّن شديد العقوبة على من نام وفرّط في وقت الصلاة وفي صلاة الجماعة، فَلَئن يَعظُم الأمر ويشتد الخطر على من فرّط في تعظيم هذه الشعيرة العظيمة وأظهر تهاونه وقلة اهتمامه بها وبجماعتها لأجل نوم مستمر بسبب سهر عابث لا مردود له إلا الخسران والتِرةِ والحسرة يوم القيامة في غالبه، أو بسبب ريالات معدودة ثمنا لسلعة يمكن الاستغناء عنها، أو لكوب من القهوة أو الشاي يتناوله من لا يظهر اهتماما لهذه الصلاة سواء أكان ذكرا أم انثى، وأن تمرّ وقد نودي للصلاة وتجد هذه المحلات صاخبة بأهلها لا حياء من الله ولا وجل منه، ولا اقتداء بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولا امتثالا لتوجه بلادنا وقادتها، ثم لا يتغير وجهك سُخطا ومقتا لهذا المشهد المقزز تجاه أعظم شعيرة، لهو خلل منك بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ أول الإنكار إنكار بقلبك ثم دعوة بالهداية لأهل هذا المنكر، فإن استطعت التنبيه لهم أو إبلاغ من له صلة بهم ليوصل التنبيه لهم أو أبلغت عنهم فأنت على خير ومأجور بإذن الله وذمتك قد برئت من هذا المنكر، فأمر الإزالة له ليس لك ولا مطلوب منك ولن تحاسب عليه إن كرهته، واحذر من مقولة هذا الأمر المنكر من تهاون في الصلاة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أمر فرضته رؤية المملكة للمستقبل، فإن تلك حيلة شيطانية ينشرها المنافقون ومرضى القلوب، إذ القيم الإسلامية ركيزة من ركائز الرؤية المباركة والشواهد كثيرة، والذي تغير هو التصحيح في طريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلزام كل بدوره ومسئوليته وعدم تجاوزها لمهام ومسئوليات غيره، فحمدا لله أن خفّف عنّا وأن هدانا لهذه الصلاة الشعيرة العظيمة وأن هدانا وقادتنا للعناية بها وقتا ومكانا وكيفية وأداء. فوجب علينا التعظيم لها والحفاظ على أذكارها بعدها. جعلنا الله مقيمي الصلاة وذرياتنا وثبّتنا بقوله الثابت في دنيانا وأخرانا وجعلنا هداة مهتدين وتقبّل منا وغفر لنا كثير خطأنا وزللنا ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًاإِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك
إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق