أحق ما تُجمّل له الصلاة
اتقوا الله بتعظيم ما عظّم وبتوقير أمره ونهيه وبخاصة ما كان فيه صلة مباشرة به جلّ جلاله يقول تعالى "وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ" فيحب الله تعالى من عباده من أظهر ما في قلبه من خشية منه جلّ جلاله وما فيه من تعظيم له سبحانه، كما يكره تعالى من يظهر ما في قلبه من مرض وحبٍ وجرأة على المحرم، وكل ما بين أيدينا من نعم ومن رفاهية وسعة عيش وما ينزل بنا من مِحنٍ وكُرب إنما هي للابتلاء! ولكشف حقيقة تعظيمنا لله تعالى في كافة الأحوال من سراء أو ضراء، فلا كاشف لما في القلوب مثل الجوارح والمواقف.
وإنّ مما ابتلينا به هو ما تيسر لدينا من جميل اللباس وجميل الروائح، فكيف نُظهر تعظيمنا لله تعالى من خلال هذه النعم؟ كلنا نحب الجمال ولا نرضى بما هو مخالف له، جمال الخُلق وجمال اللباس. ومن أهم الأحوال التي يتأكد فيها اتخاذ الجمال والعناية به هو الصلاة لما فيها من قوة الصِلة بالله جلّ في علاه. قال تعالى "۞يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ" لقد عظّم الله تعال الصلاة فتولى فرضها بنفسه المقدسة جلّ جلاله على نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام مباشرة بلا وسيط من فوق سبع سموات تبيانا لعظيم المكانة للنبي وللصلاة، ولهذا فالصلاة هي الركن الأهمّ في الإسلام بعد الشهادتين، وهي أول ما أُوجِب من الأعمال، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، ولا قيمة للأعمال الصالحة إن لم تصلح الصلاة! من عظمة الصلاة أن الله تعالى يكون قِبل وجه المصلي إذا صلّى، ولذا فهي أحق ما تُزين له وهي أبرز عمل تظهر فيه الخشية والتعظيم. والزينة على قسمين واجب ومستحب. فأما الواجب فهو ستر العورة فلا تصح الصلاة بدونه مع القدرة عليه. وأما المستحب فهو ما زاد على ستر العورة مما يفعله الناس عادة في المجالس والمناسبات العامّة من زينة لبس ونظافته ومن طيب رائحة للجسد وللباس ومن سواك وأثرٍ حسن يجلب الهدوء والخشوع، قال صلى الله عليه وسلم: إِذا صَلَّى أحَدُكُم فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فإنَّ الله تَعَالَى أحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لهُ. أحمد والبيهقي وصححه الألباني. وثوبيه أي الإزار والرداء. وفي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مسلم. وعنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» متفق عليه. وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ - وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ " مسلم. وأشد قبحا من رائحة هذه البقلة رائحة الدخان والشيشة وما شابههما من القبائح ورائحة العَرَق المتراكم ونحو ذلك مما يستقبح عادة الحضور به للمجالس العامة، وقوله عليه الصلاة والسلام "وليقعد في بيته" بمثابة حجر وتقييد لمن لا يبالي بالذوق العام ومشاعر الآخرين. ولأن الملائكة تحضر معك حين الصلاة تدعو لك وتشهد لك فحري بك أن ترعى وجودها وأن تُقدّر حضورها فتتجمل لها بما تيسر لك ولا تؤذها بكريه منظر أو رائحة. ولقد أثنى الله تعالى على قوم حضروا للمسجد للصلاة بقوله سبحانه "رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ" ومن أثنى عليهم الله تعالى فحري احترام وجودهم وعدم إزعاجهم وأذيتهم، وواجب إعانتهم على الصلاة بخشوع وخضوع وانصات. وفي صلاة الجمعة والأعياد تتأكد المطالبة بالجمال لباسا ورائحة وأدبا واحتراما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ، وَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَلْغُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى" ابن ماجة وصححه الألباني. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» مسلم. ولكي يكسب المسلم حب ربه فعليه بكل ما يحبه الله تعالى ومن ذلك إظهار نعمة الله عليه بجمال اللبس وطيب الرائحة وحسن السمت والخلق، ومجانبة ما لا يليق بالمسلم أن يرتديه بين يدي ربه في صلاته كالملابس المتسخة وكذلك الضيقة والقصيرة التي تكشف بعض العورة عند الركوع والسجود، وكذا الملابس المخصصة للنوم أو للبيت وغيرها مما لا يُرتدى عادة في الأماكن المحترمة والمناسبات الاجتماعية. عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ أي إزار فقط، فَقَالَ: «أَلَمْ أَكْسِكَ ثَوْبَيْنِ؟» أي إزار ورداء فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى فُلَانٍ أَكُنْتَ ذَاهِبًا فِي هَذَا الثَّوْبِ؟» فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: «اللَّهُ أَحَقُّ مَنْ تَزَيَّنُ لَهُ - أَوْ مَنْ تَزَيَّنْتَ لَهُ -» ابن خزيمة. عباد الله إنّ كل ما بين أيدينا من النعم هو لابتلائنا ولتمحيص قلوبنا، كيف نعظم الله فيه وبه؟ وكيف نتجمل بكل جميل وهبنا إياه الله؟ فلنحرص على النجاح في هذا الابتلاء. ومما يُعدّ من تعظيم الشعائر بجميل الملابس لبس المشالح لصلاة الجمعة والأعياد كما تُلبس في حفلات الزواج ونحوها، نسأل الله خشيته في السِرّ والعلن وجمال الخُلق وجمال الصِلة به سبحانه وجميل الصلة بالخلق أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق