ومن رمضان اتخذ سلوك السابقين (الجمعة 3/ شوال/ 1445)

 الحمد لله العليّ العظيّم الحيّ القيّوم، والشكر له سبحانه على سابغ فضله وتتالي نعمه، وأشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله فلنتق الله ولنراقبه في سر الحال وعلانيته، ولنتخذ من هدايته لنا وما وهب لنا سببا لمزيد قرب منه جلّ وعلا ومنجاة لنا من سخطه وغضبه يقول تبارك وتعالى "وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ" والكلٌ بيده أن يكون من السابقين المقربين حتى ولو كان من الآخرين زمنا، إذ الأمر لا يتطلب سوى استغلال نعمة الله المتوفرة لأداء بعض الأقوال والأعمال الصالحة. ولئن امتنّ الله علينا برمضان ورأينا من فضله سبحانه تلك الإعانة على الصيام والقيام وتلاوة القرآن وكثرة الأذكار وحُسن الأخلاق، والعون على الكفّ عن الشهوات، فإنما كان ذلك دعوة منه سبحانه لنتخذ ذلك لنا منهجا شخصيا وسلوكا ظاهرا طوال العام قدر المستطاع، فمن أعاننا عليه في رمضان فسيعيننا عليه طوال العام إن كنّا من أهله.

يقول تعالى "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ" منّة من الله وفضلا اصطفاك عبد الله وبقي عليك أن تكون من الأخيار، فالاصطفاء اختيار من الله تعالى والخيرية يكتسبها العبد بنفسه، وذلك بسلوك مسلك المصطفين الأخيار قدر المستطاع، وقد أوصانا نبينا وحبيبنا ببعض ما يوصلنا هذه المنزلة.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» متفق عليه. أعمال تحسن صلتك بربك وتجعل حياتك في أحسن حال، وتُلحقك بالسابقين المقربين. فالصيام يكفي في فضله أن ثوابه مختلف عن غيره من الأعمال الصالحة فليست مضاعفته مُقدّرة بحدّ معين كباقي الأعمال التي تضاعف فيها الحسنة بعشر أمثالها، بل ترك الله تعالى تقدير ذلك لنفسه المقدسة وبحسب اتقان العبد مهمته. وصيام يومي الاثنين والخميس تُجمّل سجل عملك حينما يُعرض على ربك.

بصلاة الضحى تكون قد أديت الشكر لسلامة أطرافك ومفاصلك، والشكر سبب للحفظ وللزيادة. وتكون هي صلاة الأوابين إن أُديت في وقتها الفاضل، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ» مسلم. أي جلست لشدة الحرّ.

وأما صلاة الوتر فقد حافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أحواله في السفر وفي الحضر وأوصى بها عددا من أصحابه، مما يبين أهميتها وضرورة المحافظة عليها، وفي صلاة السنن الرواتب المحددة مع الفرائض استكمال لجمال الفريضة ولثوابها ودحرا للشيطان الذي حاول الاختلاس منها.

عباد الله عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» مسلم. هذه الوصية لا جدال في ثبوتها، ومع ذلك يكثر الجدال حولها، نعم لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام انه صامها ولكن نقل عنه كثرة الصيام وغلبة الأيام التي يصومها على التي يُفطرها، وكان يصوم حتى يقولون لا يفطر، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يترك بعض العبادات التي يحبها خشية أن تُفرض، وكثيرا ما يتنفل خُفية حتى لا يظنّ الناس أنها مفروضة، ومن هذا القبيل كره الإمام مالك رحمه الله صيام ست من شوال حينما بالغ الناس فيها حتى ألحقوها برمضان في الوجوب. فإن ثقلت عليك فلا تثبط الناس عنها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، من صامها فقد أحسن ومن لم يصمها لم يخطئ ولم يُقصّر. 

ومن الوصايا النبوية المهمّة والتي واظب عليه الصلاة والسلام عليها في كل أحواله، كثرة الاستغفار قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ، فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ، مَرَّةٍ» مسلم. أقول ما قلت واستغفر لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين وإمام المرسلين عبد الله ورسوله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فثلاثة أنواع من النوافل صيام ثلاثة أيام والاثنين والخميس، وصلاة نافلة من ضحى ورواتب ووتر، وكثرة ذكر واستغفار وتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم يوميا، أمور الحفاظ عليها قدر المستطاع واتخاذها سلوكا شخصيا سيجعل منها جابرةً للخلل في الفرائض ومُكمّلة للنقص في الزاد يوم المعاد، ومُهيئة لك أن تلقى الله على خير حال، خصوصا وأن كثرة موت الفجأة مؤخرا مقلقة ومنذرة بنزول مصيبة الموت بنا في أية لحظة، حفظنا الله وأحبتنا وجعلنا من عباده الذين إن أحسنوا استبشروا وإن أساءوا استغفروا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل