ختام رمضان 1445
الحمد لله الحيّ القيّوم رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته سبقت غضبه ووسعت كل خلقه وكتبها حقا للمتقين من عباده، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله في أعماركم فإنها تسابق نحو نهايتها، واتقوا الله في شهركم فها قد آذن بالرحيل، واتقوا الله في نعمه التي وهبكم ومنها إدراك رمضان والقدرة على العمل الصالح والهداية لأفضل السبل نحو صناعة حياة أبدية جميلة سعيدة يقول تعالى "وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ" عباد الله عَنِ زِرّ بْنَ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ؟ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، قَالَ: بِالْعَلَامَةِ، أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي «أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا» مسلم. ليلتنا المقبلة هذا المساء هي الليلة التي عناها أبي بن كعب رضي الله، ليلة لا يخفاك عبد الله أنها خير من ألف شهر، ولكن كلنا يخفى عليه مقدار هذا الخير الذي يفوق ألف شهر! إذ الله تعالى يضاعف لمن يشاء بما شاء كيفما شاء لا رادّ لفضله ولا مانع لعطائه ولا مخلف لوعده.
عبد الله هل تخيلت أن عملك في ليلة القدر من تلاوة أو صدقة أو صلاة أو دعاء أو أي عمل خيّر هو أفضل وأعظم ثوابا مما لو عملته في ليلة أخرى غير ليلة القدر؟ هل تتصور أن بعدد ليالي القدر التي وفّقتَ إليها قد تضاعفت مساحة إنجازك أضاعفا كثيرة لن تستطيع حصرها لو أردت؟ هي ليلة اختارها الله وفضَّلها وفضّل العمل فيها، ولقيمتها العالية فإنه سبحانه يختار من عباده أهلا لها وذلك بنظره جلّ وعلا لقلوبهم، فبحسب حِملِ القلب يكن الاختيار، "وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ" فاتق الله في حظك من الدنيا وحظك من الآخرة بأن تطهر قلبك وأن تتجه به لخالقك، وألا يغلبك هوى النفس ولهو الصحب فتُضيّع حظك وتخسر فرصتك.
يقول تعالى "۞وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ" كثير لو أرادوا التمكن من ليلة القدر لفعلوا أكثر مما تفعل، ولكن لعلة يمقتها الله خالطت قلوبهم تركهم جلّ جلاله لأنفسهم فغُلِبوا على وقتهم وعلى مصالحهم فضاعت الفرصة عليهم، فاحذرهم لا يغرّونك ولا يفتنونك. "يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ" فكن حذرا على وقتك وعلى عمرك وعلى سعادتك الحقة.
في رمضان عباد الله عبادات متنوعة وبعد غد بحول الله يبدأ وقت عبادة زكاة الفطر، فهي عبادة واجبة على كل نفس عاشت رمضان حتى ولو كانت غير مُكلّفة، وهي مستحبة عن الجنين، هي عبادة عظيمة، هي سبب لكمال اليُسر ولإكمال العدة. قال تعالى "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ"
وعن ابن عُمرَ رضي الله عنهما قال: فرَضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفِطْر صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبيرِ، منَ المسلمينَ، وأَمرَ بها أن تؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إِلى الصلاةِ. متفق عليه. عباد الله عبادة زكاة الفطر عبادة مفروضة فهي جديرة بالاهتمام وذلك بالعناية بوقتها المحدد والعناية باختيار نوعها وأهلها، فلا تُخرِج نوعا من الطعام لأنه الأقل سعرا ولا تعطها لكل من طلبها أو لمن وقف في الطرقات والأسواق ينتظرها فذلك ينافي التقوى "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ" من عِظم مكانة الزكاة عند الله تعالى أن حدّد بنفسه المقدسة أهلها المستحقين لها، وأهل زكاة الفطر هم الفقراء والمساكين لأن الهدف إغناؤهم عن المسألة يوم العيد ومشاركتهم الفرحة مع بقية المسلمين.
حينما خرق الخضر تلك السفينة وعاتبه موسى عليه السلام أخبره بأنها لمساكين يعملون في البحر، فلا يشترط في المسكين أن يكون عاطلا مُعدما، بل قد يكون موظفا ويملك سيارة ومنزلا، ولكنه لا يجد كل حاجته، وقد عرّف الفقهاء المسكين بأنه من لا يجد إلا قوت يومه أو ليلته، وعامة الناس اليوم لا يجدون إلا مرتبا بالكاد يكفيهم شهرهم فهم مساكين وإن لم يسألوا الناس، مساكين وإن بدا عليهم حسن الحال، فانتبه حين تتصدق فلعلك ضمن المساكين فتكون أسرتك أولى بصدقتك، وانتبه حين تنفق فاحرص أن يكون مسكينا لا معتادا على الأخذ منك. وهنا أدعو الجمعيات الخيرية والجهات الرسمية المعنية بمساعدة الفقراء والمساكين إلى مراعاة هذه المسألة فإن كثيرا ممن لا تنطبق عليهم المعايير المحددة للصرف هم أكثر حاجة من بعض من انطبقت عليهم المعايير. وفي زكاة الفطر يكثر الحديث حول إخراجها عينيا أو ماديا فاخرج من الخلاف وأخرجها عينيا وقدّم قيمتها صدقة للمساكين فتكون قد جمعت الحسنين وخرجت من الخلاف إلى خير. وأذكّر بأن التمر أولى بالإخراج في زكاة الفطر من الأرز فبه جاء النص وهو طعامنا ورمز ضيافتنا وهو إنتاجنا، لا نستغني عنه وأسواقنا متكدسة منه. والله نسأل الإعانة والقبول والتوفيق. واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله العليّ العظيم غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله وفي ختام شهر رمضان أمرنا الله تعالى بأن نكثر من التكبير "وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ" فمنذ إعلان هلال شوال يستحب التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح جهرا وسرا في كل مسجد ومنزل وطريق وسوق ومجلس، كبّر شُكراً لله واجهر بالتكبير تُذكّر به وتأخذ أجر من انتبه فذكر فَكَبَّر.
عباد الله ومن شكر الله على إتمام رمضان أداء صلاة العيد ولقد كان رسول الله e يأمر الناس بالخروج لصلاة العيد الرجال والنساء حتى الصغيرات وحتى الحيّض، فهي سنة مؤكدة ويرى جمع من أهل العلم وجوبها لِما رأوا من تأكيد النبي عليه الصلاة والسلام عليها، وإن ما يجده المسلم في نفسه من شوق واهتمام لهذه الصلاة وللتجمل إليها ولاستماع خطبتها يؤكد عناية الله بها واهتمامه سبحانه بها حتى جعل النفوس تهوي إليها فهي صلاة فاضلة وشعيرة من شعائر الله، ففرحا بالعيد وفرحا بإتمام الصوم وأملا بالفوز بدعوة الخير التي يدعو بها ذاك الجمع المبارك وتعظيما لما عظّم الله، اعتنوا رحمكم الله بصلاة العيد وبكّروا لها وكبّروا حين حضوركم إليها واصطحبوا أهليكم صغارا وكبارا ذكورا وإناثا إليها، وستقام صلاة العيد بعون الله تعالى في كافة المساجد التي تصلى فيها الجمعة وذلك عند شروق الشمس وارتفاعها قِيد رمح.
ختاما لنحذر من حال المُثبَطين الذين كره الله انبعاثهم ومقامهم، فلنتدارك هذه الليلة ليلة سبع وعشرين بصالح عمل أكثر مما مضى، ولنتدارك ساعة الاستجابة في آخر ساعة من عصر الجمعة فصائم داع في ساعة خاصة فاضلة فهو في حالة خاصة مميزة وحريٌ بأن يعطى ويجزل له العطاء حتى يرضى. والعيد لن يكون سعيدا إن صاحبه تقتير نفقة على الأسرة وحرمانا من لهو مباح.
ثم صلوا وسلموا على من أحبكم وتمنى رؤيتكم وسيكون عند الحوض ينتظركم ولعلكم لاتباعكم سنته وكثرة صلاتكم عليه تسيرون معه نحو أبواب الجنّة التي ستفتح له ولأمته قبل غيرهم.
تعليقات
إرسال تعليق