وأشرفت العشر الأواخر من رمضان 1445

 الحمد لله المبدئ المعيد، جاعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله، واعلموا أن ربا وسعت رحمته كل شيء وفضله عمّ كل شيء، سيقابل إقبالكم بإقبال أفضل منه، وسيقابل ذِكركم له بذكرٍ أفضل منه. وإن من فضل الله ورحمته وسابغ فضله أنه جلّ جلاله ينادي عباده كل ليلة هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟

عباد الله وقبل ثمانية عشر يوما فُتّحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب الجحيم وقُيّدت مردة الشياطين لأجل أن نصنع لنا مكانا مرموقا عاليا في جنات عدن، فيا ترى ما مستوى إنجازنا في الأيام الماضية؟ وما مقدار ما صنعنا لأنفسنا؟ هي أيام معدودة تدهشك بسرعة مضيها وترحلها فهلا اغتنمنا منها ما تيسر لنا؟ أرأيت عبد الله عمرك كيف رحل فالقادم كذلك سيمر وسيرحل وإن رأيته بعيدا.

أرأيت عبد الله كل أولئك الذين مرّت بك جنائزهم ومن ثم دفنوا؟ ستمر جنازتك بأحبتك وسيتولون دفنك لأنهم الأكثر حبا لك، وستَبلى جَسدا وذِكرا مثل من بَلي، حتى إذا نفخ في الصور فانشقت الأرض عنك وخرجت تنظر العالم من حولك، فإذا الأرض غير الأرض والسماء غير السماء والشمس دانية، والناس مثلك في ذهول وفزع شديدين، لتلحظ ظلا قد أظلّ قوما تعرف أنهم كانوا أهل أحد أعمال سبعة يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" متفق عليه.

فإذا رأيتهم قد استظلوا فيا ترى أي عمل لك سيقودك إلى الاجتماع معهم تحت ذلك الظل؟

وإذا بُعثت وانشقت عنك الأرض فتُهت لا تدري أين الطريق! ستلحظ طريقا في نهايته حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم يستقبل أحبته الذين اعتنوا بسنته وحافظوا على شريعته، فهل أنت معهم؟ هل ستزفك الملائكة لنبيك وحبيبك قائلة يا محمد، هذا فلان باسمك، أحبَك وحافظ على سُنتك؟ حُسنا للظن بالله تعالى أظن أن الفرحة لن تسعك وأنت ترى حبيبك محمد عليه الصلاة والسلام مادّا يديه مرحبا بك فرحا برؤيتك، فانتبه لسُنة نبيك وحبيبك محمد فتمسك بها، فهي صانعة فرحك.

سيؤمر الجميع بالتوجه لعبور الصراط، فإذا وصلت الصراط ورأيت جهنم يحطم بعضها بعضا وكلاليبها تجرّ إلى قعرها من قضى الله بعقوبته، ورأيت أن هناك من تحمله أعماله الصالحة ليمرّ عليه كطرفة عين أو كراكب جواد سريع، فكم يا ترى هي قدرات عملك على حملك؟ بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

 وإن وطئت أقدامك أرض الجنة ومسكت بيدك تلك الحصباء الجميلة فتكتشف أنها لؤلؤا وأن التربة زعفران وأن البناء من ذهب وفضة، ورأيت الأنهار جارية، ثم لحظت أناسا تتسابق في الصعود لمنازل الفردوس الأعلى بعد أن يقال لها: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا. أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني وغيره. فكم يا ترى هو زادك الذي سيصعد بك؟

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ لَهَا: «هَبِلْتِ؟ أَوَ جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى» البخاري.

 ستدخل الجنة بإذن الله، وستصعد في منازله بتوفيق الله، ولكن إذا رأيت أن هناك منازل عالية كان بإمكانك الوصول إليها ستتمنى أن لو أكثرت من التلاوة قبل عجزك وقبل موتك، إذا رأيت أن من الجنان جنان ذوات أفنان وجنان أقل درجة فستتمنى أن لو تحاملت على نفسك اليوم شيئا قليلا. إن نافست مع عباد الله على الصالحات اليوم ستفوز غدا "وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ" نافس كي تخرج من لقاء ربك فرحا مسرورا "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا" ومن الفرص عباد الله هذه اللحظة المباركة فأكثروا فيها من الاستغفار فهو خير الدعاء، غفر الله لي ولكم

الحمد لله كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله.

ففي نهاية الشهر المبارك شرع الله لنا زكاة الفطر ولدينا جمعية البر وجمعية سواعد يساعدونك في أداء هذه الزكاة والتبكير بتوكيلهم يُسهل كثيرا عليهم.

عباد الله إن من رحمته جلّ وعلا وسابغ فضله أنه يهب عباده الفرص المتتالية ليتزودوا مما يقربهم ويعلي درجتهم، وقد أطلّت الفرصة الكبرى وحلّت النعمة العظمى العشر الأخيرة من رمضان، جعل الله ما قبلها تهيئة لها، وضمّنها ليلةً هي الخير كله. فأي نعيم يُهدى إلينا؟ وأي شغل يشغلنا ويلهينا ويصدنا عن هذه الهدية؟

 كلنا ذوو خطأ وكلنا ذوو تقصير، وكلنا يعلم رحمة الله وفضله، وكلنا ندرك قيمة هذه الفرصة، وكلنا لا نريد حسرة ولا ندامة، فلما نتهاون ونفرّط؟ اعلم رعاك الله أن كل خير تأمله هو مربوط بما في قلبك تجاه ربك وتجاه عباده، فاختبر قلبك هذه الليالي الزاهرة ففيها القَدَر وفيها فصل المُقدّر من اللوح المحفوظ، وبحسب قلبك وعملك تنال الخير أو يصرف عنك، اعلم أن كل تقصير هذه الليالي هو جناية منك على نفسك وكل تأخر فيها هو إبعاد منك للخير عنك، لا تلم الشيطان ولا تلم وسائل الإعلام وبرامج التواصل، بل لم نفسك وحاسب نفسك وتبصّر في حالك، "بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ" يقول تعالى " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" ويقول سبحانه "حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ " ألف شهر يعني أكثر من ثلاثة وثمانين سنة! ليلة تُمكّنك من صناعة الخير والسعادة لك ولأسرتك! ليلة هي خير لك من كل ما مضى ومما سيأتي إلا ليلة مثلها، ليلة مباركة من وفق إليها تضاعف عمله وسرت البركة في كل شأنه، فأدرك الفرصة لا تفوتك، وأدرك عمرك ضاعفه أضعافا كثيرة بليلة واحدة، واغتنم ما وهب الله لك ويسر لك فخذ منه بنصيب وافر، أقبل وسابق فالله وعدك العون والقبول.

لأن هذه الليالي مهمة والفضل فيها لا يعوّض فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ e «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر. مسلم.

للمدارس بدأت الإجازة وللموظفين قريبا وهي ليست إجازة للعيد بل هي إجازة لاغتنام ليلة القدر، فهي حجة على أهلها وليست فرصة لهم للنوم والعبث!

 بشائر الأمطار كثرت فانتبه لأولوياتك، احذر لا يشغلك الشقاء والتعب والنصب ووهم المتعة بملاحقة المطر عن فرصة العمر، فيكفيك ما سبق من مُتع ومن ملاحقة للمطر فلعل هذه آخر الفرص وأنت لا تدري، وإن لك في بقية العام سبحا كثيرا فانتبه لزمنك الفاضل لا يضيع عبثا.

استعن بالله ولا تعجز تذكر خطأك وبادر فاستغفر، تخيل طموحاتك وآمالك فاطرحها بين يدي ربك هذه الليالي فلعل تحققها أقرب مما تتصور، تذكر ما مضى كيف مضى فعالج الحاضر فإنه غدا سيكون مما مضى. وتذكر رعاك الله أن نبيك الحبيب محمد e مشتاق لك يتمنى رؤيتك وما أعظم فرحته بك حينما تقبل عليه عند حوضه، وما أعظم فرحتك حينما تراه مرحبا بك، وسيقف خيالك عاجزا عن تصور موقف أخّاذ حينما تسير معه نحو أبواب الجنة، فالزم سنته إذ لا سبيل للقاء به إلا بها، وأكثر من الصلاة عليه كل حين وبالأخص يوم الجمعة وكل لحظة فاضلة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل