يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا 0الجمعة 20/ 8/ 1445)

 الحمد لله العزيز الحكيم الملك العليّ العظيم أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمامنا وسيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه وارعوا السمع لما أمر به ونهى عنه فامتثلوه.

قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا"

نادى الله تعالى عباده المؤمنين الذين أخذهم الحماس لنبيهم فدخلوا في جدال ومراء مع المنافقين الذين لا تهمهم الحقيقة ولا تجهلهم أصلا، فأمرهم سبحانه بالإعراض عن هذه النقاشات المشتتة للأفكار والمفسدة للعلاقات الصانعة للتوتر المدمر للصحة، وأمرهم بالاهتمام بما هو من واجباتهم ومهماهم وما يحقق مصالح دينهم ودنياهم إعراضا عن المجادلين بالباطل لإثارة الرأي العام، وإشغالا للنفس بما يصلحها، علما بأن النقاش كان دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأفضل ما تُشغل به النفسُ ذِكرُ الله فإنه ذِكرٌ يعود على الذاكر بكل نفع. يثاب المرء على ذكره لربه أيً كان حاله ما دام باللفظ الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الذكر الذي له ثمرة في السلوك والذي يَنال به الذاكر صلاةً من ربه ومن الملائكة هو الذِكر المتعلق بالذاكرة، ألا ترى أنك إن تذكرت والدا أو أخا وولدا أو حبيبا حضرت مع الذكرى مشاعر خاصة بمن تذكرته تدفعك لسلوك معين من دعاء وصدقة ونحوها؟ ولله المثل الأعلى إذا صاحب ذكرك لربك استحضاراً لما تعرفه من عظمة الخالق واطلاعه وقربه واستماعه ومراقبته وقدرته فستعيش أجواء مليئة بالمشاعر الإيجابية التي ستُغيّر سلوكك وستدفعك لممارسات نافعة لك أو تردك عن ممارسات عاقبتها السوء والخسران، وأما من ذكر الله وذاكرته مشغولة بتذكر أمر آخر أو شخص ما فلن يعدم فضلا برحمة الله ولكن لن يستحق كل وعود الله! لأن الآخر استحوذ على المشاعر أكثر من الله جلّ في علاه.

فاذكروا الله كما علّمكم وسبحوه أي نزهوه عن المشابهة والنقائص والشرك. اعتنوا بالذكر والتسبيح بكرة وأصيلا أي صباحا ومساء فهما الأوقات المؤثرة في الحياة، إذ أن المستيقظ من النوم ذهنه خالي وفكره متفرغ فإن انشغل بالجدال وتتبع الأخبار والأقوال ورسائل الجوال فسد يومه بكامله لنه سيتكيف تبعا لما قرأ وسمع، والجسد كي يتمتع بنوم مريح فهو بحاجة لهدوء بال واسترخاء وبُعد عن توتر قبل أن يحلّ وقت نومه، والذكر جالب ذلك كله، فهو سببٌ للعون والتوفيق "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" وسبب للسكينة والطمأنينة "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ" أكثروا من ذكر الله واشغلوا به أوقاتكم واقطعوا به كل جدال تصلح لكم الحال.

ثم أخبر سبحانه أنه إنما أمرهم بهذا لأنه بهم رحيم ومن رحمته بهم أنه جلّ جلاله يصلي وملائكته عليكم فلما تتأخرون عن الذكر؟ ألا يكفي المؤمن دعوة وترغيبا للذكر أفضل من استشعار صلاة الله وملائكته عليه وذكر الله له كلما ذكر؟

الصلاة من العباد خضوع واستجابة وتقرّب ودعاء ومسألة، والصلاة من الملائكة استغفار للمؤمنين، والصلاة من الله تعالى ثناء ومدح ومدد بالرحمات والبركات، ذكرك ربك يغنيك عن كل نقاش وجدال ويزيل توترك ويصلح لك يومك ويصفّي لك فكرك ويزيل تشتته إضافة لرضا ربك ولمغفرة ذنبك.

بهذا الذكر ربك يمدك برحمة وبركة بهما تكتسب البصيرة فترى النور والأمل دوما، نوراً تجد معه مخرجا من كل ضائقة وفرجا من كل همّ وحلّا لكل مشكلة، فإن بلغ بك الهمّ حدا أغلق عليك باب الأمل أو نزلت بك مشكلة لا ترى لها حلا، وذكرت ربك ولم تتغير المشاعر والنفسية فاعلم أن رحمة الله وبركته لم تصل إليك فراجع ذكرك لربك فقد يكون ذكرك قولا لم يخالط الذاكرة، تثاب عليه ولا تستحق به صلاة من ربك.

المؤمنون المشغولون بذكر الله عن كل جدال ونقاش باطلَين لهم تحية خاصة من ربهم ومن ملائكته يوم اللقاء، ولهم أجر كريم هم أحياء وغيرهم أموات يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والَّذي لا يَذْكُرُ؛ مَثَلُ الحيِّ والميِّتِ" متفق عليه. ومن الحياة حياة الأمل، والحياة بقوة الثقة والفأل، والحياة بالخلاص من كل كرب وضيق، واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمد لله العزيز الحكيم القائل «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» جلّ جلاله وتقدست أسماؤه، والصلاة والسلام على النبي المجتبى والحبيب المصطفى القائل «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلقد علم الله تعالى ضعف بني آدم وغلبة النفس الأمّارة بالسوء عليهم  "وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا" وفي الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام عن أبينا آدم "وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ" علم الله هذا الضعف ونتيجة له كثرة الخطأ، فتداركنا ربنا برحمته وعوّضنا بالذِكر يُقرّبنا ويمحو خطايانا ويرفع درجاتنا قال تعالى "وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ () أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ" وعَنْه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: "مَنْ قالَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ في يَوْم مِائَةَ مرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البَحْرِ" متفق عليه. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ" مسلم. وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" مسلم. وعَنْ أمّ المؤمنين جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مصلاها ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ" مسلم. يقول ابن القيم رحمه الله "الذكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده مالم يُغلقه العبد بغفلته" نحمد الله ونشكره هذه الرحمات وهذا الفضل والتيسير ونسأله جلّ جلاله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته واللحاق بالصالحين من عباده. 

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. ارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن التابعين إلى يوم الدين وارض اللهم عنّا وعن والدينا وأحبابنا وأرضنا وهبنا السرور والحبور وقرة العين برؤية وجهك الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل