دعوة للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان. الجمعة 28/ رجب/ 1445
الحمد لله المتعالي بعظمته ومجده، يقلب الليل والنهار عبرة وتذكرة، ويدعو عباده للاعتبار بمضي الأعمار ويحثّهم على استغلال المواسم لعلو المنازل أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ"
وعن عدي بن حاتم أن رسول الله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ولَيَلْقَيَنَّ اللهَ أحدُكُم
يومَ يلقاهُ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُتَرْجِمُ لهُ، فيَقولَنَّ: ألم
أَبْعَثْ إليكَ رسولاً فَيُبَلِّغَكَ؟ فيقولُ: بلى. فيقولُ: ألم أُعطِكَ مالًا
وأفْضِلْ عليك؟ فيقولُ: بلى. فينظرُ أيمَنَ منهُ فلا يرى إلا ما قَدمَ من عملِهِ،
وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظرُ بينَ يديهِ فلا يرى إلا النارَ
تِلقاءَ وجهِه، قال عديٌ: فتَعَوَّذَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
منها وأشاحَ بوجههِ حتى ظَنَنا أنه ينظرُ إليها، ثم قالَ: فمَن استطاعَ منكُم أنْ
يَتقِيَ النارَ ولو بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فمن لم يجِدْ شِقةَ تمرةٍ؛ فبكلمةٍ
طيبةٍ" البخاري.
عباد الله ها هي الرحلة قد شارفت على
الانتهاء، والسير قد قارب التوقف، والزاد نودّ لو أن بلّغنا أعالي الفردوس الأعلى،
وكلنا بحمد الله نملك أكثر من شِقة تمرة ولدينا القدرة على الكلمة الطيبة فالفرص
الربانية متاحة، والكسب متيسر، ولكن النفس تحتاج لمن يحملها على العمل حملا.
ها هو شهر شعبان على الأبواب يذكّر بخير
المواسم شهر رمضان، ويدعو الصالحين ليكونوا تجارا للحسنات أفضل من تجار الأموال.
رمضان شهر الصيام والقرآن وهما سببان للتقوى
وباعثان لكل عمل صالح، ولأن رمضان كما عشنا فيما مضى من الأعوام سريع الترحل
بالكاد يُنَفّذُ فيه البعضُ بعضَ الآمال التي رسموها لأنفسهم فواجب الاستعداد
المبكر حتى لا تفوت الفرص في محاولة التدرب والتعود، ولقد كان رسول الله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكثر من الصيام في شعبان، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا
رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ} البخاري. وعنها رضي الله عنها أنها قالت: كَانَ أَحَبَّ
الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ
شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ.} الحاكم وأحمد
وغيرهما وصححه جمع من المحققين. وفي شهر
رمضان سأل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُمَا: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا
أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» متفق عليه.
فرسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كان يحب صيام هذا الشهر، وكان يأمر أصحابه بصيام أيامٍ منه ويدعوهم لقضاء تلك
الأيام إن فوّتوها، فلا تحرم نفسك رعاك الله من عبادة صيام أيامٍ من شعبان تتأسى
فيها بنبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام وتهيئ بها نفسك لرمضان، وتتقرب بها إلى ربك
معلناً حبك لهذا العمل الذي أحبه الله تعالى لدرجة أنه سبحانه جعل ثوابه مفتوحا بلا
حدّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ
آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ،
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي
بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" مسلم.
وشهر شعبان كان يُعرف لدى السلف بأنه شهر القُراء
حيث يكثرون فيه من تلاوة القرآن الكريم استعدادا لرمضان سواء الأئمة أو المأمومين
فالجميع يستنفر همّته حتى لا يفوته رمضان. والمستعد ستكون نيته بالاستعداد قد نشطت
قبل حلول الموعد وقد بدء في تغيير ورده اليومي من تلاوة القرآن الكريم وزاد فيه
زيادة تناسب همّته وطموحه في منازل الجنان، وكلٌ على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
إن ذلك الطالب الذي يكسل طوال العام ولا
ينبته لدروسه إلا عند الاختبار فإنه بالكاد سينجح، وكلنا نؤمّلُ ألا نكون كذاك
الرجل الذي هو آخر الناس دخولا للجنة ويرى في نجاته من النار نعمة لم يحظ بها أحد
من الخلق، بينما غيره كثير قد بلغوا منازلهم في الفردوس الأعلى وتنعموا بنعيم
الجنة وهم على الأرائك يشاهدونه يمشي على الصراط تارة ويزحف تارة وتخدشه كلاليب
جهنم تارات، فنسأل الله الإعانة على ألا نكون مثله. واستغفر الله لي ولكم
ولوالدينا وللمسلمين أجمعين، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على
النبي المجتبى والحبيب المصطفى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
عباد الله قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ،
فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا
" مسلم. فمجرد النية عباد الله لها وزنها، فلنعقد
العزم اليوم نفز بالأجر ولو تعذر علينا العمل. ولننتبه لقوله صلى الله عليه وسلم: إنَّ
العبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ رِضْوانِ الله، لا يُلْقي لها بالاً يرْفَعُه
الله بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العبْدَ ليتَكلَّمُ بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ الله لا
يُلْقي لَها بالاً يَهْوي بِها في جَهَنَّم" البخاري. ولقوله عليه الصلاة والسلام: فمَن
استطاعَ منكُم أنْ يَتقِيَ النارَ ولو بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ، فمن لم يجِدْ شِقةَ
تمرةٍ؛ فبكلمةٍ طيبةٍ".
فلنشجّع الناس على صالح العمل وإن عجزنا لأي سبب وغلبتنا أنفسنا فلنتقي الله في أنفسنا فلا نجرّ الإثم إليها بمحاولة ثني العازمين على العمل بأي كلمة تحبط عزائمهم ونخادع بها أنفسنا في كسلها عن العمل، ولنشارك في تحري رؤية هلال شعبان بالاهتمام والمتابعة والسؤال ولنحمد الله على اتباع السُنّة وأننا في بلد يتأسى بحبيبنا رسول الله في تحري الهلال، ولنتذكر قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» مسلم. ولنتذكر أن الأيام سريعة الترحل تسبق الأماني وأن الرحلة قد شارفت على الانتهاء، والسير قد قارب التوقف، والزاد نودّ لو أن بلّغنا أعالي الفردوس الأعلى، وكلنا نسأل الله ألا نكون من المتأخرين دخولا للجنة، وكلنا بحمد الله نملك أكثر من شِقة تمرة ولدينا القدرة على الكلمة الطيبة ومعنا مصحفا يتنقل معنا، ولكن النفس تحتاج لمن يحملها على العمل الصالح حملا.
تعليقات
إرسال تعليق