لا تكن مثله / الجمعة 7/ رجب / 1445

 الحمد لله العزيز الحكيم، واسع الفضل والعطاء مالك الملك أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأنه على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله، خليله وحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين، وأسعدنا باتباعه ولزوم سنته ولقياه عند حوضه وصحبته نحو الجنة، وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه تسعدوا وتفلحوا، وتقرّ أعينكم في الدنيا وفي الآخرة.

عباد الله ديننا الحنيف دين يُربي أهله على علوّ الهمّة وسمو المقاصد، وفي ذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، وَمِنْهَا تَخْرُجُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْعَرْشُ مِنْ فَوْقِهَا، وَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ" أحمد والحاكم وابن حبان وصححه جمع من المحققين. والفردوس الأعلى أمنية المؤمنين الصادقين، ومن تمنى شيئا كان حريا به أن يسلك السبل الموصلة إليه، فما هي سبل الفوز بالفردوس الأعلى من الجنة؟

 يقول الله تعالى "قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ" الإرث هو أقوى أسباب التملك فيقرر الله تعالى الفلاح ويعد بإرث الفردوس كل من اتصف بهذه الصفات:

الإيمان، فإن من علم وجود الله وأيقن بالملائكة ترصد أقواله وأعماله، وعلم أن لكل سلوك يقوم به جزاء مناسبا، إن في الدنيا وإن في الآخرة، من آمن بهذا فإن سلوكه سيكون تبعا لإيمانه هذا ومن هنا تبدأ الخطوات نحو الفردوس، والسلوك الموصل للفردوس يبدأ بالخشوع في الصلاة، والخشوع لا يعني البكاء والعويل، بل يعني حضور الوعي بالمُقام بين يدي الخالق جلّ وعلا وفَهم ما يقال، فلا يُذكر أي ذكرٍ من تلاوة أو دعاء أو تسبيح ونحوه إلا وهو مفهوم مقصود، وحضور الوعي في الصلاة يتطلب متابعة النفس فكلما سرحت وابتعدت عن هذا المُقام أعيدت له، ليكون الخاشع في جهاد مع نفسه لضبط تركيزها وتفكيرها.

ثم إن هذا المؤمن بعيد عن اللغو، واللغو ليس هو الكلام الآثم كلام الفسّاق من غيبة ونميمة وساقط الكلام، بل هو كلام عادي ولكن لا خير فيه ولا انتفاع منه ولو لم يكن محرما، كما في كثير من النقاشات المفتوحة في بعض المجالس والقنوات وبرامج التواصل، والاستماع هو عونٌ للمتحدث فهما سواء، والمؤمن صيانة لنفسه ولنفسيته يسعى للابتعاد عن المشاركة تحدثا واستماعا لكل نقاش مثير للجدل لا نفع فيه، فضلا عمّا فيه إثارة للرأي وشتم وتعميم بالإساءة، وفي الحديث: وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خيْراً أَو لِيَصْمِتْ (وفي روايةٍ: ليسكت) متفق عليه.

والمؤمنون الساعون للفردوس حريصون على دفع زكاة أموالهم وإن قلّت وفق أحكامها المعروفة، يدفعونها رجاء رضا الله وقبوله ورجاء إحلال البركة فيما بقي.

والمؤمنون المفلحون حافظون لأعراض غيرهم كما هي محافظتهم على أعراضهم، ممتثلون قول ربهم "وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا" عدم اقتراب وليس فقط عدم فعل.

والمؤمنون المفلحون يراعون الأمانة، أمانة النفس في صلتها بربها وبمجتمعها، أمانة تطويرها والرقي بها، أمانة أداء المهام الموكلة إليها، أمانة كل سر اؤتمنوا عليه وأمانة كل عورة اطلعوا عليها.

ومع ذلك كله هم محافظون على صلاتهم، محافظون على طهارتها وعلى وقتها وعلى جماعتها حيث يُنادى بها، محافظون على الذِكر فيها يعون ما يقولون، محافظون على آدابها كمحافظتهم على أركانها وشروطها وواجباتها وسننها. فبهذا يكونون أهل الفردوس وحريُ بمن ضمن الفردوس أن يكمّل جوانب الجمال فيها بالغرس ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: رأيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: "يا محمد أقرأ أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان وغراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا الذِكر يُجمّل به المؤمن جناته، وهو من أحب الذِكر إلى الله تعالى، ومن ضَمِنَ الفردوس الأعلى فليسع لنيل أعلى درجاتها وذلك بكثرة قراءة القرآن الكريم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا" أبو داود والترمذي وصححه الألباني وغيره. أسأل الله أن يغفر لي ولكم ولكل مستمع وأن يجمعنا ووالدينا وذرياتهم وأزواجنا وأحبتنا في الفردوس الأعلى، وأكثروا الاستغفار هذه اللحظة فهي لحظة مباركة.

 

الحمد لله العليّ العظيم والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا، قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، الْجَنَّةَ، الْجَنَّةَ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ، قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ" مسلم.

عبد الله احذر أن تكون مثل هذا المتأخر دخولا للجنة؟ هذا كان يقول المهم أن أدخل الجنّة، فيكتفي بأقل العمل، كطالبٍ همّهُ مجرد النجاح وتجاوز المرحلة أما النجاح بتميز فخارج قائمة اهتماماته، حتى إذا جاءت الاختبارات كان النجاح والتجاوز مجرد احتمال أما الفشل فأبرز تخوفاته، يُقصّر في الواجب ويُقدِم على الخطأ بحجة سَعة رحمةِ الله ومغفرته للذنب فكانت حالته بعد رحمة الله كما سمعنا، كن رعاك الله حيّاً نبيهاً مستغلاً الفرص حريصا على نفسك، اعمل على أن تكون ممن يجتاز الصراط كلمح البصر، اعمل الآن لتكون ابتسامتك تلك وأنت تسمع هذا الحديث ابتسامة مطمئن مشاهد للحدث مستمتع بذلك الحوار المملوء رحمة وفضلا من الخالق جلّ وعلا وعبد بالكاد تجاوز، تُشاهد وتستمتع وأنت مستقر مطمئن في مقامك العالي في عليين في الفردوس الأعلى.

اذكر الله تعظيماً له وتخيل أنك تغرس جنتك، اقرأ القرآن وتخيل نفسك تعلو في منازل الجنان مع كل تلاوة، اصنع سعادتك اليوم وسعادتك غدا بالعمل الصالح الذي بسببه أفلح المؤمنون وورثوا الفردوس. لأن الإرث هو أقوى أسباب التملك فقد قال سبحانه "أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ" فيطمئنهم الله فيصفهم بأنهم مفلحون حازوا أقوى أسباب تملك الفردوس، جعلنا الله من أهلها.

ثم صلوا وسلموا على من حاز الدرجة العالية من الفردوس الأعلى وستسيرون معه إلى الجنة إن لزمتم سنته وحافظتم على عهده وأكثرتم الصلاة عليه دوما وبالأخص في يوم الجمعة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل