في استقبال شهر رجب ( لتقرّ أعينكم وتفوزوا بالرحمة والنور ) الجمعة 30 / جماد ثاني / 1445
الحمد لله العليّ العظيم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، أخبر سبحانه عن نفسه بأن رحمته سبقت غضبه وأنها قد عمّت كل خلقه، فعباده متعلقون برحمته يرجون عونه ولطفه ومغفرته وفضله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفوة خلقه، وخليله منهم، أرسله بالهدى والرحمة مُبشرا ومُيسّرا ومُنذرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله واستشعروا فضله جلّ جلاله عليكم بأبوابه المُفتّحة لكم كلما أردتم يقول تعالى "وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بَِٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" وقال تعالى "قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بَِٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ"
عباد الله كلنا ندرك فضل الله ورحمته، وكلنا ندرك أن رحمة الله وفضله إنما يفوز بهما من تعرض لهما وطلبهما بأسبابهما، عَنْ أَبي هُريرَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "كُلُّ أُمّتي يَدْخُلُونَ الجنَّةَ إلا مَنْ أَبَى" قَالُوا: يَا رَسولُ الله! وَمَنْ يَأبَى؟ قَالَ: "مَنْ أطَاعَني دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى". البخاري. فهم من الأمّة أي مسلمون ولكن عصوا وأبوا الطاعة التامّة فكانوا للنار أهلاً.
والتعرض لرحمة
الله وطلبها والنجاة من ضدها يكون بالامتثال للتوجيه الإلهي بوقاية النفس والأهل
وبالتوبة المستمرة من كل ذنب وخطيئة عُلِمت أم لم تُعلم، فلقد نادى الله عباده المؤمنين
الأصفياء إلى الوقاية والتوبة وغير الأصفياء من باب أولى، حيث يقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ
أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا
مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ
وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ"
فالتوجيه الأول
والنداء الأهمّ: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ
وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا" اعملوا على وقاية أنفسكم من النار والوقاية إنما تكون بتوقي الأسباب الموصلة
إليها، ولا وقاية إلا بمعرفة الواجبات ومحاولة لزومها وتنفيذها، ومعرفة المحرمات
والعناية بتجنبها وتجنب أسبابها، فاتقوا أسباب النار وعلّموا أهليكم كيفية توقي
هذه الأسباب، أدبوهم على مراقبة الله وعلى احترام القيم الدينية والقيم المجتمعية
التي لا تخالف قيم الإسلام، حافظوا على أمرهم بالمعروف وعلى نهيهم عن المنكر، واستمروا
في ذلك لا تيأسوا ولا تملّوا، وخاطبوهم بأسلوب ليّن يجذب قلوبهم إليكم وإلى ما
تدعونهم إليه حتى ولو كانوا لا يستغنون عنكم، وبحزم إن رأيتم جرأة على محرم حتى
ولو خفتم كراهيتهم ونفورهم، فبذلك تبرأ ذمتكم وتكونوا غرستم بذرة قيّمة في أفئدتهم
لابد وأن تُعيدَهم إن غفلوا وتلاعبت الشياطين بهم. سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن
هذه الآية فقال: فعليك أيها المؤمن أن تقوم على نفسك وأن تجاهدها لله. وهكذا أهل
بيتك من زوجة وولد، من ذكر وأنثى، وأخوات وغيرهم ممن في بيتك من أهلك، تقوم عليهم،
وتوجههم إلى الخير، وتلزمهم بأمر الله، وتكفهم عن محارم الله، وبهذا تقيهم عذاب
الله. أ. هـ مختصرا. فعليكم أنفسكم وأهليكم ولا تشتتكم الاهتمامات بدعاوى مختلفة.
ولأن النفس أمّارة
بالسوء بطبيعتها، ولكل نفس أمّارة بالسوء شيطان يغويها ويسلك بها مساره المعروف
بخطوات الشيطان يزين الأخطاء ويسوّق للشهوات ويبرر تتبعها والمضي معها، إلا أن كيد
الشيطان كان ضعيفا، فخطواته التي هي أسباب النار ضعيفة أمام عون الله ومدده لعبده
وأمام إرادة النفس وقوة العزيمة، لتكون الحرب سِجالا ولتكون الغلبة لمن صدق وخاف
عذاب الله وخاف وعيده، فاستغفر وتاب. وهنا يأتي التوجيه الثاني
من الله تعالى لعباده ليفوزوا برحمة الله وباستدامة عونه فيقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن
يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا
ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ
نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ
أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ"
النداء هو للمؤمنين، والمؤمنون
هم الصفوة وقائد المؤمنين وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان يتوب ويستغفر
في اليوم أكثر من مائة مرة وهو رسول الله.
والتوبة النصوح هي التي يكون
القلب صادقا في الندم على الذنب حينها عازما على عدم العودة لذلك الخطأ، وكل توبة
نصوح فهي جديرة بالقبول والمغفرة ما دامت عامرة بمشاعر الألم والندم والعزم على
عدم العود، ولا يضر تلك التوبة عودة صاحبها للخطأ ما دام يكرر التوبة بنفس تلك المشاعر
الصادقة من ندم وألم وعزم. لا يضر مهما كان الذنب والخطأ يقول تعالى "إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ
ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ" فتنوا المؤمنين عن دينهم بالحرق الجماعي بالقتل
الجماعي ومع ذلك لو أنهم تابوا لتاب الله عليهم، فما بالك بغيرهم. ويقول سبحانه "وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ
يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا"
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن
يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا
ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ
نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ
أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ"
كلمة عسى عند البشر تعني التمني
والرجاء أما من الله تعالى فهي وعدٌ لا يخلف، فوعدٌ للتائبين الصادقين بتكفير
السيئات ووعدٌ بالعزة والكرامة وعدم الخزي يوم تعلو الغبرة وجه كل من أبى طاعة
الله ورسوله وترهقهم القترة فوجوههم من الخزي كالحة موحية بسوء العاقبة، أما أولئك
التائبين المستغفرين فوجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة بما تراه من نور وملائكة ضاحكة
في وجوههم.
عباد الله هذه لحظة مباركة
يُجدد فيها المؤمنون توبتهم واستغفارهم فأكثروا من الاستغفار غفر الله لي ولكم
ولوالدينا وأحبتنا ووهبنا السرور والحبور وجعلنا من الصالحين وغفر للمسلمين
والمسلمات.
الحمد لله الغفور العزيز الحكيم
والصلاة والسلام على النبي البرّ الرحيم بأمته وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد
الله فمع دخول شهر الله المحرم شهر رجب، شهر شرعه الله تعالى لتغيير الأنفس نحو
الهدوء والسكينة والتغاضي عن أخطاء الآخرين وتجاوزها، فتتأكد علينا مسألة الإقبال
على الله تعالى لتغيير ما أحدثه علينا الشيطان من خلل بخطواته وأفكاره، نغير
بالتقوى وببذل الجهد والوسع في الاستجابة لأمر ربنا تفاؤلا برحمته وقبوله وتطلعا
لوعده وفضله، وأملا في عفوه وتجاوزه عنّا،
وإن علامة الصدق في التفاؤل العمل بأسباب الفوز بالأمل، وذلك بوقاية النفس والأهل
وبالتوبة والاستغفار يقول تبارك وتعالى "وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ
يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ
قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ"
ويقول سبحانه "فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ
رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل
لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا"
هذه وعود الله وهذه بعض قدرته
فلماذا لا نخشاه ولا نوقّر أمره ونهيه وشعائر دينه؟ هذه الأبواب مُفتّحة والوعود
لا تُخلف والفضائل لا تُحدّ! وربنا على كل شيء قدير.
اللهم ظلمنا أنفسنا وسار بنا
الشيطان في خطواته مغريا أنفسنا الأمّارة بالسوء وأعمارنا تسارع في الانقضاء في
غفلة منا وقد قُلتَ ربنا وأنت العزيز الحكيم "وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ
يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا" اللهم ها نحن بين يديك مقرون بسوءٍ عمِلناه، وبخطأ على
أنفسنا جنيناه، وبعزم على تجنب خطوات الشيطان ما استطعنا لذلك سبيلا، اللهم فاغفر
لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، اللهم تقبل صالح ما عملنا واجبر كسرً تسببنا فيه
لأنفسنا ولا تؤاخذنا ربنا إن نسينا أو أخطأنا، وأعنّا على ذِكرك وشكرك وحسن
عبادتك.
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق