أهمية رعاية الأمانة وخطورة التهاون فيها (المال العام) الجمعة 23/ جمادى أول/ 1445
لقد وعد جلّ وعلا الثواب الجزيل لمن عظّم ما عظّمه جلّ جلاله، وشدّد الوعيد على من فرّط وتهاون بوعده ووعيده، ومما عظّمه الله ومدح فاعليه، وشدّد في الوعيد لمخالفيه والمتهاونين به هو الأمانة، إذ هي من أهمّ أسباب النجاة والفوز بالتوبة والمغفرة قال سبحانه "إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا" وعدّ جلّ جلاله الأمانة من أسباب الفوز بالفردوس الأعلى فقال تعالى "وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ" وحذّر جلّ جلاله من الخيانة فقال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ" وإن من الأمانات التي حظيت بعناية إلهية عظيمة، أمانة حفظ المال العام، فلم يأذن الله عزّ وجلّ لأحد أن يأخذ شيئا من المال العام بغير حق، وجعل للإمام حق تصريفه على مصالح الناس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَخَازِنٌ وَاللَّهُ يُعْطِي" البخاري.
ولأن عامة التجاوزات المالية إنما تصدر بسبب حب المال وحب رغد الأولاد فقد نبّه جلّ وعلا بعد هذا التحذير بقوله "وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ" فإن المؤمن يحارب هذه الفتنة بتقوى الله في إصلاح المال والولد بالحذر من الخيانة للأمانة خصوصا في المال العام.
ولهذا كان أهل
الصفة في المدينة لا يملكون سكنا ولا مصدر للدخل إلا ما تيسر من صدقة، ولم يُعلم
عن أحدهم أنه تذمر ولا أنه عمد للتحايل لأجل محرم، بل علِموا فسمعوا وأطاعوا وسعوا
على أنفسهم فكانوا مضرب المثل في صدق التوكل والسعي وفي صدق النزاهة والأمانة،
وكانت حالهم خير مثال لمن حاذر الفساد وطلب الفرج بالتقوى وعزة النفس.
حرم سبحانه
الأخذ من إيرادات الدولة وأملاكها بغير حق ولو كثر الآخذون يَقُولُ e:
«إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ
النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري. لأن الأخذ من المال العام بغير حق إنما هو غلول وقد قال تعالى "وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن
يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ
كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ e
إِلَى خَيْبَرَ، فَقَامَ رجلٌ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ
حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ e:
«كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ
عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا
الْمَقَاسِمُ» قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ
شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ e:
«شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» مسلم. فلكثرة الغنائم يوم خيبر وسهولة الأخذ تجرأ البعض على أخذ ما ليس لهم
بحق ولهم تأويلهم الذي لم يُقبل منهم، وعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e
يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا،
فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ
إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي
عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ:
«وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ،
فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ
عَنْهُ انْتَهَى» مسلم.
يقول صلى الله
عليه وسلم: "يا كعب بن عجرةَ! إنَّه لا يدخلُ الجنَّة لَحمٌ ودمٌ نَبَتا على
سُحْتٍ؛ النارُ أوْلى بِه، يا كعب بن عجرة! الناسُ غادِيان، فغادٍ في فكَاكِ
نفْسِه فمُعْتِقُها، وغادٍ موِبقُها". الترمذي وابن حبان وصححه
الألباني
قال جلّ وعلا "أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ" وقال سبحانه "أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّئَِّاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ" اقنع رعاك الله بالحلال وأقنع نفسك به وألزمه فثمة بركة تحوطه وإن قلّ، وثمة محق للمحرم ولو كثر وتيسر، وكم من عاقبة للمحرم أخذ بفرحة ورجاء فرح فصار عِللا وبلاء وتفرقا واختلافا، ثق رعاك الله أن رحمة الله قد جعلت مع كل قَدَرٍ حكمة ورحمة، فاهنأ بما أنت فيه ولا تُفسده بتسخط ولا بجرأة على محرم، تفقد نعم الله عليك، وتفقد آثارا لله عليك جميلة قد يكون أعماك عنها التذمر والتطلع لما لم يُقسم، فاحمد واشكر المولى واعتن بالحلال واحذر الحرام وستجد حياة دنيوية جميلة يفتقدها كثير ممن ملك مالا حراما، وستجد أن الابتلاء قد صار رحمة ونعمة، وستجد أن لك دعوة لا تُرد هي خيرا لك مما تمنيته وخيرا لك مما أخذه المعتدون على ما ليس لهم بحق.
الله يعطي فضلا وقد يعطي استدراجا، ويَحَرِمُ عقوبة وقد يَحرِمُ رحمة وحكمة، وشر البلاء ينزل بأمة ما هو الفساد في المال العام، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المساهمة في محاربة هذا الفساد فمن عَلِمَ عِلَم يقين بوجود فساد في جهة ما فواجب عليه المسارعة لإبلاغ الجهات المعنية إبراء لذمته ونصرة لأمته، والله تعالى يقول "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ" وبحمد الله فقد تيسر هذا الأمر وبأمن تام للمبلغ، فلنكن عونا لدولتنا في جهودها المتميزة المشهودة في مكافحة هذا الفساد ولنكن عونا لها على رعاية مستقبل أجيالنا بحفاظنا على المال العام.
تعليقات
إرسال تعليق