فرحا بالغيث وخوفا على العقيدة الجمعة 3/ 5/ 1445
الحمد لله الخالق الوليّ الحميد، الملك العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ مُعَاذَ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» متفق عليه.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي
دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ
" متفق
عليه.
ويقول الله تعالى "يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ
مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ
إِسۡلَٰمِهِمۡ" في هذه النصوص
عباد الله ندرك أهمية الكلمة الصادرة عن معتقد، فبكلمة التوحيد مطمئن بها القلب
يكن العبد مسلما وله حق عند الله تعالى بالحياة الطيبة الآمنة الرغيدة، والضد
بالضد قال تعالى "وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ
كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي
ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ
يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ
فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ" كما قال عزّ وجلّ "لَّا تَجۡعَلۡ
مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا" يخاطب الله
تعالى المؤمنين الذين يعملون الصالحات واعداً إيّاهم بتحقق مقومات الحياة الطيبة المتكاملة
في حال كانوا لا يشركون به شيئا، كما أكدّ جلّ وعلا بأن دخول الشرك في حياة عبده يعني
تخلي اللهُ عنه ومن ثم سيعيش مذموما مخذولا.
إذن فكلمة التوحيد مُهمّة ومُؤثّرة في
الحياة كما أنها جِدُ حسّاسة والإساءة لها خطرة جدا.
وإنّ مما اختصّ الله تعالى به عِلما وإحداثا
هو نزول الغيث، فلا يُنزِلُ الغيثَ سوى الله ولا يعلم متى نزول الغيثِ إلا الله، ولأهمية
الغيث في حياة الناس فقد جعل الله تعالى من سننه الكونية ارتباط نزول الغيث بمواسم
محددة وبظروف جوية خاصة يعلمها الجميع، إذا اجتمعت تهيأت الأسباب لنزول الغيث وبقي
أمر الله لها، فاجتماعها لا يستلزم تنزلها وافتراقها يعني عدم نزولها. ولتشوّق
الناس للمطر ولتتبعهم لأخباره ولما يحدثه هذا من لبس وخلل لدى البعض قد يخرجهم من
الدين فقد كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الحذر على أصحابه مع
قوة إيمانهم وصدق يقينهم عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: صَلَّى
بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ
بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا
انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ
رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ
عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ
وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ:
مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ
" متفق
عليه. الخوض في أمور
الطقس يهتمّ له ويحبه ويتابعه الكثير من الناس، والحديث حول الأحداث والسنن
الكونية بالغ الخطورة، فصحابي مجاهدٌ ومع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لو زلّ لكفر، لو قال مطرنا بنوء كذا وهو الصحابي المجاهد المرافق لرسول
الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن الممكن أن يكون كافرا، بل يكون كافرا
بنص الحديث، وأخشى على من قال حين نزول المطر: إن فلانا قد تنبأ بنزوله قبل فترة! أو
أرأيت كيف عِلمُ فلان بالمطر؟ وأن فلانا قد أخبر بأنه ستحدث حالات مناخية ممطرة في
التاريخ الفلاني، أخشى إن قال هذا القول ومثله موقنا بصدق تلك المقولة أن يشابه من
قال مطرنا بنوء كذا فمن نسب نزول المطر للنوء والنجم فقد أشرك في تدبير الكون ومن
أكد علمه او علم غيره بنزول المطر فقد أشرك في علم الغيب وأحدث خللا في عقيدته
وعقيدة الآخرين تجاه تدبير الكون. الكل يعلم بأن مراقبة السحب أصبحت متيسرة لكل
أحد وبدون تعلم، وأن التنبؤات الجوية ممكنة مع هذه التقنيات والأقمار الصناعية، ولكن
أدقّ المواقع الرسمية المهتمة بالطقس لا تعطي توقعات بأكثر من بضعة أيام، وهي تعطي
تنبؤً بالسحب الركامية ولا تجزم بالمطر نهائيا وإن أشارت لقوة الاحتمال، كما أنها
تقدمها كمعلومات تحذيرية للأجهزة الرسمية للانتباه والعمل على تلافي أسباب الخطر.
ولئن كانت الرياح مبشرة بالرحمة فهذه الأقمار الصناعية كذلك مبشرة، ولكن يبقى
الجزم خطر ويجب الحذر منه والابتعاد عن الألفاظ الموحية به.
فخوفا على التوحيد وخوفا على النِعم بهذا
التوحيد الذي هو سرُ الصِلة بالله تعالى وتعظيما له جلّ جلاله ولعلمه الغيب، أدعو
للحذر حين البشارات بالمطر، وحين الحديث عن إمكانية نزول المطر، أدعو لانتقاء
الألفاظ ورعاية عَظمة الله تعالى وعدم الخوض في التفاصيل الدقيقة لأسباب النزول فبكلمة
قد يخرج المرء من دينه كما أنه بكلمة يخرج من حياته الزوجية، والله تعالى يقول
"أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ
مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ
جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ وَمِنَ ٱلنَّاسِ
وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا
يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" فإن كنت عالما
فغيرك أقلّ علما وأقلّ إدراكا فكن حذرا عليهم لا تفسد عقيدتهم بحديث لن ينفعك لا
في الدنيا ولا في الآخرة.
إذا نزل المطر فتفقد إيمانك يقول تعالى "أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ" ويقول سبحانه "ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» مسلم.
مع المطر أوجِد الأثر الذي يحيي قلبك ويجعلك
مسلما مؤمنا موحدا مستحقا كل وعد من الله تعالى لمن وحّده سبحانه، وذلك بالتأمل في
عظمة الله كيف ألّف بين هذه السحب؟ وكيف ساقها إلينا؟ وكيف تنزل المطر؟ وكيف
أُحييت الأرض بعد موتها؟ كيف تغيرت الحال؟ وهكذا يُجدد المطر الحياة في القلوب
المؤمنة كما يجدد الحياة في الأرض المجدبة.
وعند تنزل المطر يُشرع الجمع ولا يُسنّ، فهو
رخصة لمن يشق عليه الخروج لكل فرض في حال المطر، وليس سنة يُتعبد بها حتى ولو لم
تحدث مشقة، ومن رحمة الله أن شرع الجمع حتى ولو كان مطرا خفيفا يبلّ الثياب مع
اشتراط استمرار نزول المطر حال الجمع والتطبيقات الخاصة بالطقس تساعدك في اختيار
الجمع من عدمه.
ويسنّ حين تنزل المطر بقوة أو ريح شديدة
باردة عند صلاة الفجر الدعوة في الأذان للصلاة في البيوت وعدم الحضور للمسجد.
وإن كان المطر خفيفا ولا هواء معه فيُسنّ التعرض
له مع كشف الرأس والدعاء بما أحببت، وكذا الدعاء بالبركة والمزيد من الفضل مع كل
بشرى مطر، ومع كل مطر، ومع كل خير تنزل.
ختاما عباد الله لنكن رعاكم الله حذرين في ألفاظنا
حين الحديث عن المبشرات بنزول المطر، ولنتفقد قلوبنا حين نزول المطر وحين رؤية
الأرض مخضرة، ومن تحرك قلبه فَرحا وتعظيما لله تعالى فليستغل الفرصة بالدعاء فثمة
فرصة لا تعوّض للتكسب من فضل الله ورحماته.
ثم اعلموا رعاكم الله أنه في يوم الجمعة تحلو للناس
الصِلات واللقاءات بأحبتها وهي أجمل الأخلاق الإنسانية وأكرمها، وأعظمُ وأحبُ حبيب
تحلو الصِلة به هو حبينا وسيدنا عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجددوا الصِلة به بكثرة الصلاة والسلام عليه اليوم وكل يوم.
اللهم
صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
تعليقات
إرسال تعليق