مفاتيح للخير مغاليق للشر ( الجمعة 26 / 4 / 1445 )
اتقوا الله واعتنوا بالأسباب المقرّبة إليه سبحانه، وإن من أهم ما يُقرب إلى الله ويجلب رضوانه هو الاقترابُ بالخيرِ من عباده، والسعيُ لإسعادهم وفق الوسعِ والطاقةِ، الأقرب فالأقرب يقول تعالى "وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" ويقول جلّ جلاله "لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ"
القرب من الناس سبب لقرب الله منك، وإسعادهم مع النفس بالخدمة بما يسر الله لك من مال أو ليّن كلام أو صدق نصح وتوجيه أو إعانة وتيسير
وقضاء حاجة سبب لأن يحبك الله ويسعدك.
كل
مخالط لنا اجتماعيا أو وظيفيا له علينا حق الإحسان، كما لنا عليه حق الإحسان،
وأبرز صفات المؤمنين المحسنين هي الرحمة، وهي أهمّ وأول صفات المؤمنين. يقول
تعالى:
"مُّحَمَّدٞ
رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ
بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ
وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ
مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ
شَطَۡٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ
لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ
مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا"
فأهم صفات المؤمنين أنهم اتباع رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأنهم على شدتهم في مقاتلة الكفار هم رحماء فيما بينهم، وهذه
الرحمة تراها في وجوههم قبل أفعالهم، رحمةٌ لا يمنّون بها ولا يطلبون لها أجرا إلا
من الله، رحمة في قلوبهم كأثر من آثار سجودهم، سئل مجاهد رحمه الله عن قوله تعالى:
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟ قال: لا، ربّما يكون
بين عينيّ الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم
من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار والبهاء، قال ابن عباس: أما إنّه ليس بالذي
ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته وسمته وخشوعه.
فسيما المؤمنين الرحمة والتواضع واللطف
والهدوء، "وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ
عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا".
ونور الإسلام وسجيته وسمت المسلمين رحمة
تتجلى في منطقهم وفي سلوكهم؟ دلالة على الخير وتيسيره وبذله، وتنبيه على الشر والتحذير
منه؟ جاء في الحديث الحسن عند ابن ماجة وغيره قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ
مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ
مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ
مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ
الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ" حسّنه الألباني والأرناؤوط، قال السندي: أي أن الله تعالى أجرى على
أيديهم فتح أبواب الخير على الناس، حتى كأنّه ملّكهم مفاتيح الخير ووضعها في
أيديهم. أ. هـ.
فإن بذلت خيرا فاعلم أنه فضل من الله أن
اختارك لنفع عباده. وخير ما يُقدّم للناس في هذا الزمان هو الفكر النيّر الخيّر،
الفكر الذي يحرّك العقول نحو العلم والعمل والمستقبل المشرق والأمان، الفكر الذي
يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين وهمٍ ترسمه العاطفة وبين حقيقةٍ رسمتها السنن
الكونية الإلهية، الفِكر الذي يحرر العقول من التبعية بغير وعي، يحتاج الناس اليوم
للوعي الفكري لأنه قد كثُرَ اليوم من يتلاعب بالعواطف ليُعطّل العقول ويستخدمها
لأجنداته وأفكاره مستغلا الجهل بالدين وثقة البسطاء والحماسة والطيش لدى كثير من
الناس.
مفاتيح الخير هم أناس أثّرت فيهم الصلاة فكانوا أهل الخيرِ ورُعاته، ينطقون بالخير وإلى الخير يدعون وعليه يحثون، بسبب صَلاتهم زانت صِلتهم بربهم وبمجتمعهم، إذا رأيتهم رأيت الخير في ملامحهم ووجدت الخير في منطقهم وعُدتّ من لقائهم بخيرٍ يسعدك في كل شأنك، لكثرة سجودهم فإنهم متفائلون بسبب قوة صلتهم بالله، ينشرون الفأل الحسن ويعينون على صالح العمل، يصحّحون الأفكار الخاطئة ويدلون على السبل القويمة، بمجالسهم تزول الهموم وتسكن النفوس وتتفتح مجالات خير كانت في الذهن مغلقة، هم مفاتيح للخير بسمتهم وبتواضعهم وبمنطقهم الناصح وبنتاج قولهم وعملهم الخيّر، أولئك هم المصلون حقا أولئك هم المؤمنون حقا أولئك هم خيار الناس وأشرافهم، فتبين رعاك الله أثر صلاتك في سلوكك قولا وعملا! وتبين أي مفاتيح خير وُضِعت في يديك! وهل أنت ممن اختارهم الله ليُجري على أيديهم الخير؟ وتقرب إلى ربك بما يَسّر لك، وأسعدْ الناس يكن ربُك قريبا منك ويُسعدك من حيث لا تحتسب. وحينها طوبى لك، فقد حظيت بالحسنى في الدنيا وفي الآخرة.
بسبب مفاتيح الخير أولئك فإنّ سمات المسلمين الظاهرة أنهم كالزرع اليانع، كالبنيان المشتد يقوّي يعضه بعضا ويحمي بعضه بعضا ويستند بعضه على بعض، قد ظهر زهره وثمره، ولجودته وتماسكه فقد اشتد عوده ونما ما حوله بسبب بذوره ومائه وجذوره، فله منظرُ يسر الناظرين، وهكذا المؤمن ذو السيماء الخيّرة تظهر خيريته بسبب ما في قلبه من الخير ظهورا تدرك معه أنه لا يشتت جهوده وأفكاره ولا يغفل عن نفسه ولا من جاوره ولا يكتفي بخدمة وسعادة نفسه وأهله بل يشمل بعطائه الفكري والمادي كل من حوله، حتى يكون مجتمعه مجتمعا متآلفا متراحما.
ومن كانت هذه حاله خيّر
نافعٌ لنفسه ولمن حوله ممن خالطه فاغتاظ منه أحد حسدا وكرها، فقد انطبقت عليهما
هذه الآية المغتاظ والمغتاظ منه "يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ
لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ
مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا" فالمؤمنون معجبون به والكفار ومن
شابههم مغتاظون منه، وليبشر صاحب الخير بوعد الله له بالمغفرة والأجر العظيم. فعنه
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّهُ قَالَ: «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ
خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ
لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ
فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ» متفق عليه. وجاء عند البيهقي
والحاكم قوله عليه الصلاة والسلام {إنّ لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ
تَنْطِقُ على ألْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي المَرْءِ مِنَ الخَيْرِ والشّرِّ} صححه
الألباني. ففز بشهادة مجتمعك
لك وكن خيّرا معروفا فيهم بالخير تحمله وتبذله لهم، لا تحاربهم ولا تحرمهم لأجل
أخٍ بعيد لا تدري حقيقة أمره، كنّ ممن تنطق على ألسنتهم الملائكة بشهادة الخير
للغير، فطوبى لمن فاز بهذه الشهادة وطوبى لمن بلغ منزلة أن الملائكة تنطق على
لسانه، والأسى لمن خسر ذلك كله لأنه شتت أفكاره واهتماماته ولا يبالي بمن حوله ولا
يهتمّ إلا بنفسه وبرأيه.
ثم صلوا وسلموا على حبيبكم الذي كان خُلقه القرآن وكان
أجود بالخير من الريح المرسلة فبذلك أمركم ربكم وبهذه الصلاة وصّاكم حبيبكم واعداً
إيّاكم باللقاء على حوضٍ عدد آنيته كنجوم السماء.
اللهم صل على سيدنا وإمامنا وحبيبنا عبدك ورسولك محمد
وعلى آله وصحبه والتابعين.
تعليقات
إرسال تعليق