الكلمة شجرة طيبة أو خبيثة، عبادة أو خطيئة (الجمعة 12/ 4/ 1445 هـ)
الحمد لله العزيز الحكيم، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه، وارقبوا من لا يفارقكم من ملائكة ربكم، يقول جلّ في علاه "مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ" احذروهم واصنعوا سعادتكم يوم تلقون ربكم ويقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ" ويقول رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» مسلم. فاحذروا الكلمة فإنها ذات تبعة كبيرة وليست مجرد لفظة تطير بها الريح.
وفي الكلمة وتبعاتها يقول جلّ وعلا
"أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ
طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ۞تُؤۡتِيٓ
أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۢ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ۞ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ۞ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ
وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ"
فكل كلمة هي كالشجرة، إما أن تطيب قصدا
ولفظا فتثبت وترسخ وتُنتج ثمارا طيبة تُسعد أهلها المتحدثين والمستمعين، وإما أن تخبث
قصدا ولفظا تطير بها ألسن الخبثاء قلبا وقصدا لتجتمع الخبائث ولكن بدون قرار لها ولا
ضرر منها إلا على من تجاهل وصية الله في مثلها.
ومن خلال تلك الكلمات تعرف المؤمن من
غيره، فالمؤمن طيّب القلب نقي السريرة، لا يصدر منه إلا طيب المشاعر والسلوكيات،
وقد يندفع لحدث مفاجئ فتخبث بعض كلماته لكنه سرعان ما يؤب ويتوب فيطهر وتعود له
طيبته، بخلاف كل خبيث دائم الخُبث والخَبث فلا طِيب منه ولا أثر طيّب له.
وفي الأزمات عباد الله تتأكد الكلمات
الطيبات كاشفةً عن المؤمنين، مُبشرةً بطيب حال تطيب به حياتهم، بخلاف ضدهم، ونحن اليوم
كأمة مسلمة في أزمة، لنا مشاعرنا ولنا آلامنا ولنا أمالنا، ونسمع من هنا وهناك كلمات
من الأصدقاء ومن الأعداء، منها ما يسر وكثير منها تكدر، فعلينا أن نربط بين ما
نسمع وبين قوله الله تعالى في الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، وهل تلك الكلمة يرجى
منها خيرا فنهتم لها أم هي مجتثة من الأرض لا قرار ولا أثر لها إلا لدى قلوبٍ
خبيثة كقائلها، وإذا ربطنا تلك الكلمات بالأشجار الطيبة والخبيثة أدركنا ما يستحق
السماع وما يفترض الإعراض عنه وعن أهله.
ولنا فيما نسمع من هذه المكدرات اللفظية
وصية إلهية يقول تعالى "۞لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ
أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ
مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ"
ووصية أخرى بقوله تعالى "إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ
مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيًۡٔا
إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ" فمن المسلّمات أن تسمع ما يكدرك من أهل القلوب
الخبيثة المملوءة حقدا وحسدا القلوب التي عُمرت بكراهية الخير للغير، ومطلوب من
المؤمن حين سماع ما يكره أن يكون مؤمنا كي لا تضره تلك الكلمة التي سمعها أو تناجى
بها أعداؤه، والله تعالى يقول "إِنَّ ٱللَّهَ
يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن
تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ
وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ۞ وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ
وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ"
وعلامة الإيمان الصبر وتحمل الأذى، بمعنى كتم المشاعر السلبية الناتجة عن سماع تلك الرسائل المسيئة وضبط النفس عن مجاراة الخبثاء، وكلمة الصبر تعني أن الأمر الحادث غير معتاد وأن تحمّله صعب في المعتاد، ومع هذا الصبر تجب التقوى مع ذلك المسيء فلا تقابل إساءته بمثلها، ولا تُنبش سيرته ومعايبه إلا لتحذير من يمكن أن يلحقه الضرر منه، ولا يحرم خيرا كان يعطى إياه "وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ" فترتقي النفس معه وتقابل إساءته بتجاهل يعكس صدق طيب القلب ونقائه وإن ظنه الجاهل استغباء واستضعافا، هذا مطلوب مع أعداء الله من أهل الكتاب ومن المشركين المخالفين لنا دينا وقيما، فإن أتت تلك الإساءة ممن يفترض أنهم إخوة لنا دينا ودما فالصبر والتقوى متأكدَين أكثر، لا نزكهم ولا نبرر لهم، ولكن لنجعل القلوب مؤمنة فيكون لنا الثبات المستمر والثمار الطيبة الدائمة العطاء يقول جلّ جلاله "ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ"
مع هذه الأزمة في غزة وما يخططه العدو لنا من وراء إشعالها، تتجدد إساءة لنا ممن يفترض أنهم إخوة لنا دينا ودما، فمع أزمتهم وبالغ أذية العدو لهم نجد منهم تركا للعدو الذي يُنكّل بهم وتهجما على من يتعاطف معهم ويبذل وسعه لأجلهم، وهاهنا تتجلى الروح المؤمنة صبرا وتقى وتفكرا، فمن الصبر عدم تناقل تلك الإساءات وعدم إيغار الصدور بسببها، ومن التقى التفكر ممن صدرت تلك الإساءات؟ هل الذي يرقب قصفا كل لحظة وله في بيته مصاب أو قتيل متفرغ لهذا التسجيل المُنتج إنتاجاً مؤثرا؟ أم أن هذا صوت نشاز مستأجر؟ ثم لما تُصنع وتنشر تلك الرسائل؟ هل هو استنهاض للهمم أم نشر للفرقة بين الإخوة وتسهيلا لإكمال العدو للمهمة القذرة؟ علينا أن ننتبه وألا نُفرِح العدوَ بمكره وجهده، فعامة المجاهرين بالإساءة مستأجرون لهذه الإساءة من قبل أعداء تلبسوا بلباس الأهل، مستأجرون استغلالا لحاجتهم ولظروفهم ولقلة مداركهم. فلا يصح أن نتخلى عن إيماننا ولا عن قيمنا فنحقق للعدو هدفه، ولا يليق أن نُعرض عن توجيه ربنا ووصيته لنا استجابة لمشاعر مُستفَزة، فلنترفع عما لا يليق بالإخوة ولو أن الإخوة أساءوا، ولا تجرنا حماسة طائشة للفتن المهلكة، وهذا التناقل للإساءات خصوصا في الأزمات لا يعبر عن كشف للحقائق ولا عن انتصار للوطن ولا عن صبر ولا عن تُقى، وبالتالي فهو إعراض عن وصية الله تعالى وعن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن انتصارنا للوطن إنما يكون بالتزامنا بنظمه وقيمه، وقد نُفسد بتبادل الإساءات ما يسعى قادتنا لإصلاحه، ولنا في قادتنا وترفعهم وصبرهم أسوة حسنة. والله تعالى يقول "مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّئَِّاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ"
يا رعاك الله قبل أن تنقل ما أثار مشاعرك، وقبل أن تتكلم فيما لا رأي لك فيه ولا إجراء يُنتظر منك معه، تذكر أن الكلمة كالشجرة لها ثمارها، فما هي ثمار كلمتك؟ وتذكر ملائكة ترصد وتوثق، وتذكر ربا ستلقاه غدا وسيسأل، وتذكر أن لكلٍ منّا ثمرةٌ لما في قلبه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وتذكر أن الأرضَ يرثها عبادُ الله الصالحون، وللصالحين وبهم تطيب الحياة فكن منهم وكِل أمرك وأمر المسيئين لله تعالى فهو سبحانه يقول "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ" اعتن بنفسك وأعرض عن الجاهلين وعمّا لم يكلفك الله، إن ضلوا فلا تضل وإن حقدوا فلا تحقد، وإن استأجر عدوك مسكينا منهم ليؤذيك فلا تكن مسكينا استأجره الشيطان بالمجان فتنقل كل ما وصل إليك من مكروه الكلام. ولنتذكر أن الجنة لا يدخلها إلا صاحبُ قلبٍ منزوع الغِل والحِقد طَيّب الحِمل والقصد، جعلنا الله منهم.
تعليقات
إرسال تعليق