الحب والسلام بوابة للجنان خطبة الجمعة 30 / 2/ 1445
الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين الملك البر الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه في صغير الأمر وكبيره، واعلموا أن الله تعالى قد أعدّ لكم جنة عرضها السموات والأرض تجاورون فيها حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم وبقية الأنبياء والأخيار من عباده ويلحق بكم فيها ذرياتكم ومن تحبون من أهلكم، قال جلّ في علاه "وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۢ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ" وقال سبحانه "جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ" في الجنة نعيما لا ينفد وسرورا لا يُحدّ فيها وقرة عين لا تنقطع، بمجرد أن تلج من أحد أبوبها وقبل أن تطأ بقدمك أرضها، ستعيش جوا مغايرا لكل ما كنت تعرفه وستنكر كل ما مررت به وجرّبته، وأول ذلك قلبك، سيتغير قلبك فلا تجد منه إلا مشاعر الحب التي كنت تستمع بها والتي كنت تبذلها، وسيكون حظك من الجنّة بقدر حظ قلبك من الحبّ لغيرك، إذ الحبُ في الله هو أحد أسباب الفوز بحلاوة الإيمان، ولن يدخل الجنّة إلا مؤمن لقد جعل الله تعالى لهذه الجنة طريقا مُحددا سهلا مُيسرا هو بعد الإسلام وبعد الابتعاد عن الشرك وصوره يكمن في الحبّ والودّ للآخرين ممن خالطك في بيتك أو في عملك أو حيّك أو طريقك وسوقك، وفي الحبّ لكل من كان له فضل عليك وعلى وطنك ولكل من كان للخير محبا وللصالحين وَادّا. وللحب سببين رئيسيين يُصنع بهما، وعليهما يقوم أخبرنا عنهما رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» مسلم. وبما ورد في الأثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ" الحاكم والترمذي. وقد قيل إن حسن الخلق يتمثل في بسط الوجه وبذل المعروف وكفّ الأذى واحتمال ما يصدر من الناس.
وإن في لفظ السلام عليكم لرسالة طمأنينة
ودعوة لحلول السِلمِ ودعاء بذهاب الشرِّ وأهله بحلول فضل الله ورحمته، إذ هو
السلام جلّ جلاله، وهو سبحانه وتعالى من علّم آدم هذه التحية وأمره بها وبيّن لها
أنها تحيته وتحية ذريته، ففي الحديث أن الله تعالى لمّا خلق آدم قَالَ: اذْهَبْ
فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ،
فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ،
قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ
اللهِ، قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، الحديث رواه مسلم. وقد عدّها رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الكفارات وأمر بها عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قال: أَمَرَنَا رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: «أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ
الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ
الْقَسَمِ، أَوِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي،
وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، الحديث رواه مسلم.
ولن يحلّ غضب ولا بغض في مجلس تبادل فيه
الحاضرون السلام والوجه الطلق مهما كانت الاختلافات في الرأي، ولذا كان ثواب هذه
اللفظة السلام عليكم حسنات تتضاعف وسيئات تتساقط، والابتسامة من ثوابها أن جُعلت
معروفا وصدقة قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْقِرَنَّ
مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» مسلم. وقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ
أَخِيكَ صَدَقَةٌ» ابن حبان والترمذي
وصححه الألباني. فها هي الجنة غاية كل مؤمن قريبة المنال سهلة النوال لا
يعجز عنها إلا بخيل على نفسه مريض قلبه.
وقد ندب الله تعالى المسلمين للابتداء
بهذه التحية في أحوال كثيرة ونهى سبحانه عن تأجيلها عند إرادة الدخول على أحد
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ
بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ
أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ" وقال سبحانه "فَإِذَا
دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ
مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗ" فالسلام هو لك وإن كان منك، وأنت
الأحوج له وإن كان غيرك ينتظره منك. فلا تترك السلام مهما كانت حال من تسلم عليه
إلا أن يكون في ذلك أذى له وهو يرد بحسب حاله، وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم المُسلّمَ
عليه وهو يصلي عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ: «إِنَّكَ
سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي» مسلم. والمصافحة لها تأثير عجيب في تصفية
المشاعر السيئة ومحوها وتعزيز المشاعر الطيبة اقال صلى الله عليه وسلم: أيُّما
مُسلِمَيْنِ الْتَقَيا فَأخَذَ أحَدُهُما بِيَدِ صاحِبِهِ فَتَصافَحا وحَمْدَا
الله تَعَالَى جَمِيعاً تَفَرَّقا ولَيْسَ بينهما خطيئة. صححه الألباني. أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والصلاة والسلام على النبي محمد الداعي إلى رضوانه وعلى آله وصحبه وإخوانه
وبعد عباد الله فإن الابتداء بالسلام سُنة هنيئا لمن فعلها، وردها واجب إن كان
المُسلّم عليه فردا وإن كانوا جماعة فالرد فرض كفاية، وقد يكون السلام مكروها إذا أحدث
تشويشا كمن يسلم بصوت مرتفع حال دخوله المسجد أو الوقوف في الصف أو دخول مجلس علم
او على نائم ونحوه، فيكره رفع الصوت بالسلام العامّ لما يحدثه من إزعاج وتشويش وإنما
يكون بصوت هادئ يسمعه من بجانبك فقط. وتنبيه في المصافحة فإنها ليست لكل من في
المجلس بل فقط لمن لك به ودّ خاص وإن من الإيذاء والإزعاج المرور على جميع من
بالمجلس ومصافحتهم مع عدم معرفة كثير منهم، وأما العناق فهو خاص لمن يحملون لبعضهم
الاشتياق وطال بينهم الفراق، وينبغي التنبيه في مجالس العزاء خاصة حيث اعتاد
الكثير على معانقة المصابين بالرغم من العلاقة السطحية بينهم، ففي هذا تجييش
لمشاعر الألم لديهم إضافة لإزعاجهم وتعطيل المعزين والتسبب في نقل الأمراض نظرا
لكثرة الناس، فيُكتفى في العزاء بالسلام باليد مع إسماع الدعاء.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني. فالسلام عباد الله سببا للحب، والحب والسلام طريق موحّد معبد نحو الجنان، جنان الآخرة وجنان الدنيا، جنة البيت وجنة الوطن، أفش السلام عند دخولك بيتك واجعل ابتسامتك سابقة كلامك تعيش فيه بسلام، أفش السلام عند دخولك المجلس العام يعمّكم الحب والسلام، سلم على من عرفت ومن لم تعرف بوجه طلق مبتسم يحلّ عليكم السلام، ابدأ بالسلام والابتسام تكن سباقا إلى الجنة، وسلّم وابتسم على كُلٍ بحسبه وبطريقة تكسب بها قلبه كما كان نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تشتت بسلامك الأفكار ولا تقطع الحديث فتنزعج الأرواح وتتناكر وتختلف، واحذر من التفريط في تحية الإسلام التي خصصها الله تعالى لآدم وذريته بتحية أخرى ولو استحسنها الناس.
تعليقات
إرسال تعليق