تهديد الأمن الغذائي بالهدر والإسراف الجمعة 14 \ 3 \1445

 يقول ربنا تبارك وتعالى "قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ"

من مال وطعام وكلام ومجالس أُنسٍ، فإنه سيبقى طيبا مباحا، وكل استخدام للطيّب المباح فهو سبب لحفظه ولنمائه وللتمتع به، فإن تجاوز مستخدمه به الحدود فقد التعرض هذا الطيّب المباح للتهديد بالضرر أو الفناء، لأنه أصبح هو إسرافا محرما جالبا لأهله العقوبة بالحرمان.

وما هو الإسراف؟ هو مجاوزة الحدّ في كل شيء، فللجسد حاجته وللروح حاجتها وللبيئة حاجتها وللمجتمع حاجته وللأسرة حاجتها، ويجب على المسلم إعطاء كل ذي حق حقه ويحرم عليه مجاوزة الحدّ. فكل مجاوزة للحدّ جريمة في حق من تم تجاوزه وتحتاج لتوبة بيّنة تعيد الأمر لنصابه المناسب.

فكل إسراف محرم، وكل محرم ستكون عاقبته حسرة وكل تجاوز للحد سواء في طعام أو شراب أو عمل أو صلة أو حتى في عبادة فهو إسراف وعاقبته غير محمودة، وبالتالي هو تهديد لأمن المتعة الطيّبة المباحة. وأقرب العقوبات المترتبة على الإسراف هي الحرمان من تلك النعمة المسخرة، وأول وأشدّ حرمان يعاقب به المسلم على الإسراف والتبذير، هو الحرمان من حب الله تعالى وموالاته  قال سبحانه "كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ" وقال جلّ شأنه "يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَولا يخفى أن المقصود هنا هو النهي عن الإسراف في الصدقة العينية والمادية كما هي في الأكل والشرب، وما كان منهيا عنه في الصدقات ففي غيره من باب أولى،

وأي حياة تطيب للإنسان وقد مَقتهُ وأبعده ربُه؟ وأي بُعدٍ عن الله تعالى ألحقه المبذر المسرف بنفسه لما رضي بإخوّة الشياطين؟ نعوذ بالله من هذا الحال. والاقتصاد والتوازن بين الحاجات مطلوب في كل شيء حتى في العبادة قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا. مسلم. وعليه فكل إسراف أيا كان مجاله فهو محرم وقد جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ) أحمد والنسائي وابن ماجة.

وفي الأكل والشرب لا يخفى الضرر الماديّ والجسدي إن تجاوز الآكل الحدّ، فما بالك إن تجاوز الحدَّ لدرجة أن الترف لحق حتى بالطيور فأصبحت لا تأكل كثيرا مما يرمى لها؟ مما لوّث البيئة وشوّه منظرها أكثر مما فعلته هذه الأتربة والمخلفات.

ذكرت الهيئة العامة للأمن الغذائي في المملكة بأن الفقد والهدر الغذائي في بلدنا يقدر ب 33% وبتكلفة تقدر ب 40 مليار ريال! وهذه رسالة تحذير ودعوة لمراجعة نمط الاستهلاك وثقافته، فهذا الهدر يكشف بجلاء مخالفة الكثير لأوامر الله ورسوله بالاعتدال في الطعام والشراب والإنفاق عليهما، كما يكشف البعد عن وصية رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قَالَ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ» مسلم

وهذا تنبيه لكل مسلم بأنه إن ساهم في هذا الهدر الغذائي فضلا عن صناعته فهو معرض لعقوبة الحرمان من تلك النعمة سواء بفقدها أو بما يمنعه من تناولها من مرض ونحوه، إذ أن كل تجاوز للحدّ وكل وقوع في محرم فعاقبته غير محمودة البتة. "وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا" تلك المبالغ المهدرة كلنا سبب فيها وكلنا أولى بها، فلو ألزمنا أنفسنا وأسرتنا قدرا محددا فسيكون الفارق الاقتصادي على مدى معين فارقا يُذكر.

وإن مما يرد في مسألة الهدر الغذائي ويجب مراجعته:

هو نمط الاستهلاك المتبع لدى المطاعم والتي لا يقبل منها تدوير الطعام التزاما بمبادئ الصحة العامة، وهي تفترض قدرا معينا لطعام الفرد الواحد ولا تجرؤ على تغيير الكمية خشية أن يتبع ذلك تغير في القيمة، بالرغم من أنها تجد أن قلة من زبائنها من يكمل ما قُدم له، وبالرغم من اليقين بأن الكثرة سترحب بقرار تخفيض الكمية والقيمة. وهذه دعوة لنشر ثقافة تقليل الكميات وتخفيض الأسعار في المطاعم خاصة. 

ومما يجب نشره من ثقافة في الطعام هو في نمط الاختيار من البوفيهات المفتوحة فالبعض لا يرضى بحاجته التي يفترض أنه يدركها بل يتدعى لدى البعض حدّ الحاجة إلى رغبة تذوق كل ما عُرض أمامه، فإن المُشاهد هو كميات تبقى بسبب تلك الثقافة.

ولئن عُذِرَ صاحب وليمة لهدر وُجِد لديه بسبب اختلاف عدد الحاضرين عن عدد المدعوين، فما عذر الأسرة التي تُهدر يوميا كمية ثابتة من بواقي الأطعمة وهي قد عرفت مع الوقت قدر ما سيستهلك، ثم ما العيب وما الخلل أن يقوم الآكل وقد نفذ الصحن من بين يديه أو أن يقوم ولم يصب بالتخمة وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  مَا مَلَأَ آدَمَيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُكَ يَا ابْنَ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَكَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ نَفَسٌ» ابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني والأرناؤوط.

وأيضا من الأسباب في الهدر تلك الحجة الواهية للمسرفين في قولهم لا شيء يرمى بحمد الله، بمعنى لا يرمى مع النفايات بينما هو رميٌ وهدرٌ وإن قُدم للطيور التي آذت الناس في منازلهم وتكاثرت متسببة في ضرر على البيئة المحلية جراء هذا الهدر والإسراف المقدم لها بين المنازل. فلئن كان ثلث الطعام المنتج والمستورد يذهب هدرا، ولئن كانت 40 مليارا تذهب هدرا ونحن نقول بأننا حفظنا وشكرنا نعمة ربنا فإنني أخشى أن نكون ممن أنساهم الله أنفسهم. عياذا بالله تعالى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل