القرآن الكريم نعمة صناعة حياة كريمة سعيدة عزيزة خطبة الجمعة 26/ ذي الحجة/ 1444
الحمد لله العليّ العظيم العزيز الحكيم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله واستمسكوا بشرعه وبسنة نبيه تفوزوا وتفلحوا.
عباد الله لمّا علِم الله، وهو الأرحم بنا من أمهاتنا، علم ضَعفنا وغلبت
شهواتنا علينا مما سيباعد بيننا وبينه جلّ في علاه وهو الذي اصطفانا واجتبانا
وهدانا وما جعل علينا في الدين من حرج، أنزل سبحانه لنا رحمة بنا سببا لتجويد
الصلة به وسندا ودليلا لنا في طريقنا إليه، وسبيلا واضحا نحو السعادة في الدنيا
وفي الآخرة ألا وهو هذا القرآن الكريم، قال جلّ شأنه "وَلَقَدۡ
ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ" وقال سبحانه
"إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ
أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ
لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا" وقال تعالى "وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ
مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ
إِلَّا خَسَارٗا" وقال جلّ جلاله "قَالَ ٱهۡبِطَا
مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي
هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ"
عباد الله هذه بعضا من الرسائل الإلهية لنا بشأن هذه النعمة العظمى القرآن
الكريم، آتانا الله تعالى هذا القرآن العظيم الذي هو هداية للأفضل في الحياة الشخصية
والأسرية والاجتماعية والاقتصادية وفي الصلة بالأعداء والأصدقاء، وفي الصلة به جلّ
جلاله، ففيه توجيه نحو الأفضل في ذلك كله، هو شفاء للروح ومزيل للآفات الجسدية إذ
أُحسن استخدامه، هو سبيل الحياة السعيدة حيث لا ضلالة ولا شقاء ولا غمّ ولا ضنك لا
في الدنيا وفي الآخرة. هو السبيل العظيم كي لا ينساك ربك، فإن من صحب القرآن صحبه
من ربه رحمات وحِفظ وعناية وفضائل.
لأن هذا القرآن نعمة عظمى فقد أُمرنا بصحبته تلاوة وعملا، أُمرنا بالوقوف
عند حدوده والالتزام بأوامره ونواهيه والاستبشار بوعود الله وبالحذر من وعيده وممّا
كره وحذّر والاعتبار بقَصَصه وأخباره.
عندما تتلو القرآن الكريم وأنت تفهم وتدرك مضمون ما تقرأ فستشعر بسعادة أعظم
من سعادة من حظي بغنيمة مادية كبيرة، كان في المدينة رجال يُعرفون بأهل الصفة وهم
المهاجرون الفقراء فأتاهم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم فِي
الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى
بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ
فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ
ذَلِكَ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ
يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ
نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ
أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» مسلم.
الرزق والسعادة لا يأتيان صدفة بل لابد من روح سعيدة متفائلة مستبشرة تسعى،
وحينها تتفتح لها أسباب الفوز بالرزق والسعادة، وهذه الروح الطيبة الناجحة ستحظى
بها من خلال خمسة عشر أو عشرين دقيقة تقضيها كل يوم مع كتاب الله تعالى تقرأ جزءً منه،
ولكن لا تختبر الله تقول سأقرأ وأجرب بل اقدم واقرأ وأنت واثق من الفوز وستفوز قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي
بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ
بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ
وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ
بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» مسلم. تلاوةٌ وتَعلّمٌ وفَهمٌ
تجلب لك وعد الله ووعد رسوله.
عَلِم الله سبحانه ضعفنا وقلة حيلتنا وكثرة ما سيعترض طريقنا فأعطانا
القرآن نستجلب به عون الله لتجاوز الهمّوم والصعاب فقال سبحانه منبها وموصّيا "وَٱللَّهُ
يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ
فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم
مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ
وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ
مِنۡهُ" ستمرض وستسعى
في طلب رزقك ومتعتك ستعيش ضغطا وستبذل جهدا في مواجهة عدو وحاسد ومنافس، وفي كل
ذلك لا تترك تلاوة القرآن اتل وستكون تلاوتك عونا لك على تجاوز الألم والمصاعب
والاستمتاع بالمنجز، اتل القرآن فالمرض ليس عذرا لترك تلاوته، اتل القرآن فسفرك
وسياحتك ووظيفتك وتجارتك ليست عذرا لترك تلاوته، اتل القرآن حتى في مواجهة الأعداء،
واحذر أن تنسى القرآن بسبب ترف وكسل وخمول وهاتف نقّال فقد تُنسى يوم تتمنى أن تُّذكر.
"قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ
لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ
فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ
مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ
حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ
ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ" بارك الله لنا ولأحبتنا في القرآن
والسُنة
الحمد لله العزيز الحكيم الوليّ الحميد، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة
للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين. وبعد عباد الله فاتقوا الله
وأطيعوه وسلوه العون على ما يرضيه عنكم ويقرّبكم إليه ويجعلكم من أهله وخاصته،
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالُوا: مَنْ هُمْ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ
وَخَاصَّتُهُ» ابن
ماجة والحاكم وصححه الألباني. والعزيز الكريم لا يُبعد أهله ولا يُعذبهم، والله تعالى أعزّ وأكرم
وأرحم، فاكسبوا الفضل والحقوا بأهل القرآن.
عباد الله يقول ربنا تبارك وتعالى "لَتُبۡلَوُنَّ
فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ
مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ" فلن تنتهي محاولات الكفار من أهل
الكتاب وغيرهم للإساءة للإسلام وأهله، لا يتركون فرصة يستفزون بها مشاعر المسلمين
إلا واستغلوها، لعلمهم بالمكاسب التي ستتحقق لهم من وراء اضطراب الناس ومشاعرهم
المُستفَزة، أُحرِقت نسخة من المصحف في أوروبا وثار بعض المسلمين على الفاعل فتحقق
له ولتلك الدولة المراد، ولكن لو علم النصارى أن تلك الإساءة ستعود على دينهم
وقيمهم ومجتمعهم بنبش تاريخهم المقيت وحاضرهم المشين وإظهار القبيح سلوكا ومنهجا، وأن
هذه الجريمة ستعود بفائدة للمسلمين تمسكا بكتابهم وسعيا للتعريف به وبقيمه لتوقفت تلك
الإساءات، ولكن ما داموا مستفيدين فسيستمرون.
القرآن ليس رسالة عنف فلا يدافع عنه بالعنف، القرآن رسالة رحمة للبشرية
فيجب أن يصل إليهم ببشارته وبترغيبه ووعده كي يحقق الهدف وهو دخولهم الإسلام.
ولئن غضبتَ من تصرفات الكفار تجاه هذا المصحف الشريف فإن الله تعالى قد
أمرنا أن نُبين ما في قلوبنا من صدق بصادق العمل وأحسنه، فبيّن الآن لنفسك صدقك،
بأخذ عهد على نفسك أن تتلو كل يوم أكثر مما كنت تتلو بالأمس، وأن تتعرف على كلام
الله تعالى أكثر مما تعرفت فيما مضى.
عبد الله عندما تأوي لفراشك فبدلا من الاستسلام للهواجيس والتخيلات التي
تجلب لك الكوابيس وتجعل نومك مُتعبا منهكا اكتسب المقام المحمود قال تعالى "وَمِنَ ٱلَّيۡلِ
فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا
مَّحۡمُودٗا" فافتح مصحفك
الهاتفي واتل ما تيسر لك ونم قرير العين واستيقظ نشطا متحفزا.
تذكر رعاك الله أن القرآن رسالة الله وخطابه لك كي تصنع يوما جميلا ولحظات
سعيدة وكي تتفتح لك في هذه الدنيا مجالات جديدة للفوز بكل ما تتمنى فلا تفرط في
رسالة الله خصوصا والمصحف بين يديك وقد يكون في هاتفك، فالحجة اليوم قائمة وقوية
علينا تجاه هذا القرآن الكريم نظير تيسره وقربه وكثرة الفراغ لدينا.
ثم صلوا وسلموا على من تحمل الأذى والنصب والتعب لأجل أن تحظوا بالقرآن
ووعدكم أن يلتقي بكم عند حوضه العظيم وأن يصحبكم نحو الجنة في مشهد عظيم تحسدكم
عليه بقية الأمم.
تعليقات
إرسال تعليق