خطبة الجمعة 19/ ذي الحجة/ 1444 الإجازة والعمل على استثمارها ووقاية الأسرة
الحمد لله الملك العليّ العظيم، الوليّ الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو
الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين
والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين. وبعد عباد الله
فقد وصاكم الله تعالى بما يُقرّبكم إليه ويُعلي منازلكم لديه، وذلك بالتقوى، أي باستحضار
مراقبته جلّ جلاله ومراعاة اطّلاعه على ما يُمارس من قولٍ أو عملٍ، فيُجتنب ما كان
محرما ولا يُرضى، ويُسارع إلى ما كان محبوبا مُقرِبا، ويُبادر إلى التوبة متى ما
أُدرِك الخطأ. يقول جلّ وعلا "أَلَآ إِنَّ
أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا
وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ" وكلنا يتمنى
أن يُبشر بخير دوما وأبدا، وهذا وعد الله وهو سبحانه أصدق القائلين.
عباد الله وإن مما يُتقى الله فيه هو ما تحملنا أمانته ومسئوليته، فنرعاه
بما تيسر لدينا من قدراتٍ مادية وفكرية، وما تيسر في بيئتنا وظروفنا الاجتماعية،
لقد تحملنا مسئولية أسرتنا، والكلُ في أسرته راعي ومسئول عما أمكنه تقديمه لها
ووقايتها، إن قدم خيرا ووقى من أذى شُكِرَ من قِبل ربه وإن أهمل حاسبه ربه، لا فرق
في ذلك بين والدٍ أو ولدٍ أو زوجٍ أو أخٍ، ذكراً أو أنثى فلكلٍ دورٌ وواجبٌ وكلٌ
مسئول.
عباد الله ونحن نعيش إجازة مرهقة للأسرة مهما كانت ممتعة، ومملة مهما تيسر
من ترفيه فيها، إذ الفراغ يسود عامتها، والفِكرٌ معطّل إلا مما لا نفع فيه، ونظام
المعيشة مختلف بين أفرادها إلا من رحم الله وقليل ما هم.
عباد الله حينما شبّ الكرّبُ في فرنسا نسأل الله اللطف بنا وبعباده
الصالحين، قالوا إن السبب الرئيس
في هذه الفوضى والتدمير هو ما صنعته أيديهم ودافعوا عنه ونددوا بمن يحاربه أي تلك الألعاب
الإلكترونية التي نشرت الضياع الفكري والمعيشي، وحوّلت براءة الأطفال إلى عدوانية
وحوّلت طاقة الشباب إلى التدمير، بدلا من استثمارها في الرقي بأنفسهم، وكذلك
اتهموا برامج التواصل بتهييج المشاعر وبتدخل دول أخرى لتأجيج الفوضى والاضطراب. ومع
أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله وهذا بعض ما فعلته تلك الدول بالعرب فأبطل الله
كيدهم وابتلاهم بمكرهم، إلا أننا يجب أن نعيّ الدرس جيدا.
إن تلك الألعاب والبرامج إن تُركت بلا رقيب فإنها تصنع عبثا فكريا
بمستخدميها، وتجعل صاحبها مُعطّلاً متوتراً متهوراً شهوانياً لا يعرف التفكير ولا
يبالي بالتبعات، تجعله عنيفاً وقحاً في التطاول على غيره، تجعله يعيش حياة هلامية لا
تمت للواقع بصلة، فكل ما يتمناه ويهواه يتوهم أنه حصل عليه، وهي مصدرٌ للأخبار
الكاذبة ودافعٌ للعزلة عن الواقع وعن الأهل والمجتمع، بالتالي جعلت العقل منقادا
لمن يُدير تلك البرامج، فزُين الحرام والكسل والخمول وروّج للفساد وعُطِّل العقل وجُعل
من الاستقامة والحياة الاجتماعية السليمة أثراً مكروها من آثار الماضي الذي جعلوه
منبوذا بكل تفاصيله.
ولأداء الأمانة في الأسرة لا تنقاد لمن يطالب بحياة لم يعشها إلا صفوة
الخلق والذين هم صفوة مجتمعهم آنذاك، فأداء الأمانة ليس بالمنع من تلك المدمرات
الفكرية ولا بالمراقبة والمتابعة، وليس بالمحاسبة الدقيقة ولا بكثرة الانتقاد
المملّ، فلن تكون الحياةُ جادّةً مستقيمة حتى تكون ساعة وساعة.
فالأمانة تؤدى بالوقاية الفكرية من خلال التنبيه على أن تلك البرامج ليست
مصدرا للحقيقة وأن كثيرا مما يُقدم فيها من طرح هو خلط لمنفعة الكاتب والناشر فقط وليست
الحقيقة هدفا لهم، وأن ثمة رسالة مبطنة يراد بها شرا بالقارئ ووطنه وأسرته، ولو
كان الكاتب والناشر من جلدتنا ويتكلم بلساننا.
وتؤدى الأمانة بصناعة أنشطةٍ فكريةٍ وحركيةٍ ولو كلف ثمنا قد يكون مرهقا، ومعايشةُ
ذلك النشاط وإظهارُ الانبساط به إن لم تستطع المشاركة معهم، فما يُدفع هنا سيعوّض من
مجال آخر يستنزف الدخل كفاتورة الكهرباء والمطاعم وغيرها.
وتؤدى الأمانة بتنقية ووقاية الفكر من خلال السؤال بين فترة وأخرى بأسلوب
من يجهل ويريد أن يستكشف ويعرف عما بلغهم من أخبار ومعلوماتـ فيُصحح الخطأ إن
وُجِد ويحذّر منه، ويُثنى على الحق ويدعى لمشابهته، وبالدعوة لتنويع المشاهدة ومتابعة
ما يُنشط العقل وينمي الثقافة كالبرامج الحوارية والثقافية والوثائقية ونحوها مما
غلب خيرُها شرَها.
وتؤدى الأمانة بدفعهم دفعا لمعايشة الواقع الذي حرفته تلك الألعاب
والبرامج الإلكترونية، فيجب أن يدركوا أنه لابد من تَبِعةٍ لكلِ فعلٍ وقولٍ سواء
خيرا أو شرا، لابد من تَبِعةٍ لإضاعة الوقت ولابد من ثَمرةٍ للترفيه أيا كان، ويجب
أن يدركوا أنه لابد مواجهة صعوبة الحياة وأنها لن تكون كما يُتمنى كما في تلك
الألعاب، فيُدفعوا لعدم الاتكال على الوالد أو غيره، وذلك بتكليفهم بتنفيذ بعض ما
يريدونه ولو بصنع طعام اشتهوه في غير وقته ،أو بالقيام ببعض ما تحتاجه الأسرة حتى
ولو كلف ذلك عبئا عليك أو على والدتهم أو أزعجهم هم بتعطيلهم عمّا هم فيه، ويظل
الحرمان من بعض ما تشتهيه النفس سبيلا لمعالجتها وللرقي بها، ويظل تحمل أخطائهم
سببا لصناعة قدراتهم.
وتؤدى الأمانة بالتعويد على القراءة في أي مجال وعدم تمكين الهاتف
والتلفاز من الاستحواذ على وقتهم وفكرهم وأن يعبث بوقت نومهم، فإن عدم انضباط
النوم سبب للخمول خاصة عند فتح كتاب.
وتؤدى الأمانة في زماننا بتقليد بلد الحضارة والرقي المزعوم حينما قطع
الإنترنت بلا حرج عمن خاف منهم أو عليهم، وأنت كرب أسرة أولى أن تقرر هذا القرار
مع أسرتك إن بالغوا في الإخلال بنظام حياة البيت ومعيشته، فتُقيد استخدامه في
البيت بتعطيله في وقت يحملهم على تغيير نظام حياتهم نحو الاجتماع أكثر وأداء
الفروض الشرعية، فلعله تقييد الإنترنت أن يبعد عنهم النوم غير المنضبط والخمول
ويبعث النشاط في أنفسهم. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة وفي العمر والأسرة
وفي الشأن كله واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله ففي تأكيد لسيطرة
تلك البرامج على العقول، غضب كثيرٌ ممن يفترض بأنهم عقلاء ومفكرو المجتمعات حينما
قيّد مالك أحد البرامج عدد ما يمكن الاطلاع عليه في اليوم الواحد بستمائة رسالة
رافضين منعهم من أكثر من ذلك، مع العلم بأن قراءة بعض الرسائل تعادل قراءة صفحة أو
أكثر من القرآن الكريم أو من أي كتاب بشري، فلا تستغرب مقاومة أسرتك للحدّ من
استخدام تلك البرامج ولا تستلم لنظامهم المنقاد لتلك البرامج المفسد للحياة
الأسرية فهذا حال من يفترض ريادتهم فكريا، وإننا إذ نرجو صلاحهم وصلاح مستقبلهم،
فعلينا أن ننتظر رضاهم وشكرهم وثناءهم إذ كبروا وأدركوا وليس الآن ولو بعد رحيلنا
عنهم، والجمع بين الأمرين أحب إلى الله وأحب إلى الأنفس السوية.
الأسرة هي الاستثمار الأمثل وهي قرة العين وبهجة الفؤاد وكلنا لا يستكثر
ما يقدمه لهم ولكن قد نغفل عن بعض المهم أو لا نرى خطورة بعض الأمر وقد نستكثر الدفع
في نشاط فكري أو حركي بالرغم من الدفع بغير حساب في أمور أخرى! فلا تستكثر الوقت
على أسرتك ولا تَفِرَ منهم لاستراحة ولرفقة بحجة إزعاجهم، فالمؤكد أنك ستجد فراغا
كبيرا في حياتك وألما بالغا إن طال فقدك للعبهم وعبثهم وإزعاجهم، فاصنع حياتك
الجميلة داخل أسرتك ولو تعبت قليلا، لا تتركهم للألعاب الإلكترونية ولا للإنترنت تعبث
بعقولهم ومشاعرهم ونومهم وطعامهم، ولا تحرمهم منها، لا تخاطبهم عن حياة رائعة لم
يحققها إلا النادر في الزمن النادر، ولكن حذّرهم من سخط ربهم ومن الاستسلام للوهم
ولصُنّاعه فثمة خسران أنفسهم، وتحمل عبثهم وخطأهم فثمة حياة جميلة معهم. ورَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، َقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً
وَسَاعَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ،
لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ» مسلم. أي خرجتم عن
بشريتكم وطبيعتكم.
عباد الله بشرى لأولياء الله المتقين! جاء في الحديث الصحيح عند الحاكم والطبراني وصححه الألباني أن بعض الصحابة قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» وفي الحديث الآخر الصحيح قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" فارعوا رعاكم الله أخوّة النبي لكم وأمنيته برؤيتكم فالتزموا سنته وأكثروا الصلاة عليه.
تعليقات
إرسال تعليق