عاشوراء 1445 وشيء من العبر ( موسى والحسين عليهما السلام )

 الحمد لله خالق كل شيء ومليكه، إليه يُرجع الأمر كله وبحكمه يصلح الكون كله، وهو العزيز الحكيم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا.

وبعد عباد الله فيقول الله تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" احسبوا حساب ذاك اليوم حيث الندم على تتبع الأمنيات وعلى الاستسلام لأهواء النفس، وحيث الفرح والسرور والأمان بالإيمان والتقى واتّباع الرسول.

عباد الله يدعونا ربنا سبحانه للتأمل في قَصص وأخبار الأنبياء والصالحين الذين صنعوا في التاريخ أثراً تُستقى منه العبر، فإن ما نالهم من الأذى على شرفهم وقربهم منه جلّ جلاله فغيرهم من باب أولى، ولئن كان صِدقُ المعتقد وصفاء النية وطهارة القلب والصبر والحلم هي أسباب بأمر الله في نجاتهم وفوزهم، فلن يكون لغيرهم أسباب غيرها، ولئن كان الضرر الذي حلّ بهم إنما وقع بسبب حسد ووشاية وخديعة وخيانة من الأقربين وهم الأنبياء والصالحون، فلا تظن نفسك غيرا عمن سبق، لا تأمن رعاك الله كل أحد ولا تفضي بسِرّك إلا لضرورة ولمن جرّبته ووثقت فيه، فخذ العبرة واسع لقرة العين بلزوم أسباب الفوز والنجاة وبعدم إعادة التجربة الخاطئة، ولنا في موسى عليه السلام وفي الحسين رضي الله عنه أصدق الأمثلة في ذلك.

منذ مولد موسى عليه السلام وحتى وفاته والعبر تُتسقى من حياته، وأكثر المحبين له والمدافعين عنه هو نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» مسلم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعَالَمِينَ وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْعَالَمِينَ قَالَ فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ، فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ» مسلم.

حُكم على موسى بالموت لحظة ولادته لأنها في العام الذي يُقتل فيه أبناء بني إسرائيل، فيكون الغرق المؤكد سبب النجاة، والكُره والمقت يُبدِلان بالحب والدلال، فلا تجعل من نفسك حكما على المستقبل وكيف سيكون جميلا، فإن ما يُحدثه الله من أمور جميلة للساعين بصدق أعظم من قدرتك التخيلية.

بسبب موسى آمنت واتقت الله امرأة فرعون فكانت إحدى أربع نسوة هن خير النساء بالرغم من بيئتها السيئة، وهكذا يفوز من آمن وعمل بصدق ولم يتعذر بالظروف والبيئة الاجتماعية.

يُنقذ اللهُ بني إسرائيل بموسى ومع ذلك بالغوا في أذيته قولا وعملا حتى ناشدهم قائلا "يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ" لتكون هذه رسالة أن اعمل وابتغ وجه الله وتأكد أن هناك من سيجحد معروفك وسينكر دورك وسيكون خصما لك مهما كسب بسببك، فلا تيأس ولا تُحبط فالعاقبة الحسنة ستدهشك بالأجمل من حيث لا تحتسب وممن لم تحتسب، إذ الأمر كله لله.

يقف موسى وهارون عليهما السلام مع بني إسرائيل على شاطئ البحر في انتظار سفينة تُقلّهم، وتظهر بوادر جيش فرعون فينطلق المرجفون يفسدون الصلة بالله "فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ" وما أكثر المرجفين من حولك المفسدين لحياتك المخوفين لك من المستقبل فاقطع الطريق على التشاؤم واليأس بحسن الظن بالله والثقة في قربه سبحانه، فما أعدّه لك أعظم وأجمل فاصبر ولا تستعجل.

وتكن النجاة بأمر الله ويفاجئ موسى بتمرد قومه على الله، ويحكم الله عليهم بالتيه في الصحراء، ثم يموت موسى عليه السلام ويُدفن ولا يُعرف كيف مات ولا أين قبره، فمع أسرتك وفي كافة أمورك ليس شرطا أن ترى كل ثمار عملك حاليا المهم ثقتك بأنك أديت مهمتك قدر وسعك والله يتولى النتائج، وتأمل قوله سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا" فسيأتي الله بما ستقر به عينك من حيث لم تحتسب وفي المكان والزمان الأجمل.

وفي يوم عاشوراء تكن العبرة مما جرى لسيد شباب أهل الجنة، ذلك الشاب الذي يترك النبيُ صلى الله عليه وسلم منبره ويقطع خطبته لأجله وأخيه لما دخلا المسجد أثناء خطبة الجمعة، فينزل ويحتضنهما ويصعد المنبر بهما ويكمل خطبته، ذلك الذي يطيل النبي صلى الله عليه وسلم سجوده بالمصلين لأجل أنه ركب على ظهره الشريف وهو ساجد، يلعب، فيكره النبي قطع لهوه. تُستغل حماسة الشباب لديه، وتستغل ثقته في المظهر الحسن والمنطق العذب الموهم بالشفقة على الأمة فتكون الكارثة عليه رضي الله عنه وعلى أحبته بل والأمة جميعا، ومن هنا بُنيّ وأُخيّ نستقي عبرة أن كن حذِرا من كل مغتاب ونمّام يفسد عليك علاقتك بوالديك وبزوجك وإخوتك ومجتمعك وبوطنك مدعيّا حرصا عليك أو على الأمة، فإن من خدع وخان الحسين مع أنه الحسين عليه السلام لهم بقية نشأت وترعرعت على الشر والمكر ذاته، هدفهم مصالحهم وأدواتهم كل من صدّقهم، يبررون لأنفسهم تخاذلهم ويُحمّلون غيرهم مسئوليات لم يتحملها الأنبياء، فكن على حذر وانتبه لنفسك واصنع مستقبلك بعيدا عنهم، لا تفسد على نفسك حياتك بالإساءة لأسرتك أو لوطنك أيا كان ما سمعته، فإن كنت في نعمة فارعها فإن التزلزل يزيل النعم. نسأل الله صلاح القلب وصدقه، وحسن العمل وقبوله، وحسن العاقبة وقرة العين بها وأن يبارك لنا في القرآن والسُنة وأن ينفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

يوم عاشوراء يوم من أيام الله، له خصوصيته ومكانته، فيه نصر اللهُ الحقَ وأهله وأبطل الباطل وأهلك أهله، عاشوراء رسالة للمؤمنين أن كونوا على العهد تفوزوا بالوعد. شرع الله صيامه وشرع الفرح عند الإفطار، في يوم عاشوراء تعرّف رعاك الله على فضل الله عليك، "يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ" "يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" لقد هداك الله لسنة نبيه فيسّر وخفف، لم يُحمّلك تبعة جريمة لم تفعلها أنت ولا آباؤك، وحفظك عن ضلالة تغمّ بها قلبك أو تصنع بها أذية لنفسك، عاشوراء يومُ مبارك تصومه فيُقرّبك إلى الله وينشرح فيه صدرك وتُنهي عبادتك معافى فرحا مسرورا، بخلاف من ضلّ فعذّب نفسه وعمر بالحزن والكآبة قلبه ومجتمعه "قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ"

وإذ عرفت فضل الله عليك فكن شاكرا بحسن العبادة وصدق الصلة به سبحانه والبعد عن أهل الشكاية والغيبة والنميمة والمحافظة على النعمة بالأسرة والوطن والألفة والودّ مع الجميع، واستعن بالقرآن والسُنة وما فيهما من مواعظ ووصايا لتحسين حياتك واكتساب الأفضلية في مجتمعك وفي جنة ربك.

وتذكر أن نبيك الحبيب الذي أحبك وصدق السعي في إبلاغك رسالة ربك وتمنى رؤيتك والذي سيصحبك إلى جنة عدن، ينتظر منك صلاة وسلاما عليه دوما وبالأخص في يوم الجمعة، ولا تحرم نفسك عشر صلوات من ربك مقابل كل صلاة منك على حبيبك وسيدك محمد.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل