خطبة الجمعة 12 / ذي الحجة / 1444 شكر نعم الله تعالى
الحمد لله الغني الكريم، الملك واسع الفضل والعطاء الشكور الحليم، أشهد أن
لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله واشكروه، فإن الشكر عبادةٌ عظيمةٌ مُرتبٌ
عليها عطايا جسيمة عاجلة وآجلة، أولها ثناء الله ورضاه، ومُرتب على الإخلال بها
عقوبات عاجلة وآجلة أدناها سخط الله ومقته وترك المُخل بلا ولي يقول جلّ جلاله
"وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ
لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ" وقال سبحانه
"لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ
فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا" وما أراده الله تعالى منّا من شكر فإنما هو ما قاله سبحانه لعبده
موسى عليه السلام "قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ
عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ" لقد اصطفانا
الله تعالى على كثير من خلقه فهدانا لصراطه المستقيم وجعلنا في بيئة تُعين على
الشكر له سبحانه، فلم يبق من مسار نتخذه سوى الاعتراف بفضله جلّ جلاله والأخذ بما
أمر سبحانه إظهارا للشكر له جلّ وعلا، قال جلّ ذكره "وَإِنَّ رَبَّكَ
لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ"
وأبرز وأصدق صور الشكر وأحبها عند الله تعالى هي توحيده واجتناب كل صور
الشِركِ به سبحانه صغيرها وكبيرها قولا أو عملا لا نحقر منها شيئا ولا نتجرأ على
شيء منها. "فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ
هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ
فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ" وهذه النعم
مستقرة بين أيدينا فوجب علينا شكرها تمتعا بها واستخداما لها في طاعة الله ونسبتها
إليه وحده جلّ جلاله.
ومن شُكر الله تعالى المُوجب لرضاه ولمزيد فضل منه سبحانه بعد التوحيد، العناية
بأحب الأعمال إليه سبحانه وهو أداء الفرائض التي فرض علينا، نؤديها كما شرع لنا
وفي الوقت الذي حدد لنا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا،
فَقَدْ آذَانِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا
افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ.
ومن شُكر الله تعالى الموجب لمزيد فضلٍ منه سبحانه بعد التوحيد وأداء
الفرائض، التخلق بوصية الله تعالى لمن هم في مثل حالنا وزماننا "فَإِذَا قَضَيۡتُم
مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ
ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا
لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا
فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ" وبقوله سبحانه
" يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ
لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ
ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ
فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ
كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ"
وها قد أنهينا هذا النُسك العظيم بفضل من الله وعون وتوفيق، ونحن في يوم
بل أيامٌ ندب الله تعالى فيها للإكثار من ذكره والثناء عليه جلّ جلاله، يقول عليه
الصلاة والسلام: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ
للهِ " فحُقَ علينا شكر الله تعالى بكثرة ذكره سبحانه هذه الأيام المباركة، وبالرجاء
في فضله الواسع جلّ جلاله يقول تعالى "فَٱذۡكُرُونِيٓ
أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ" عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ
بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي
دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَمِنْ
أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا
أَعْنَاقَكُمْ؟ " قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
"ذِكْرُ اللَّهِ". وفي الحديث الآخر قوله عليه الصلاة والسلام: مَا
جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا حَفَّتْهُمْ
الْمَلَائِكَةُ، وَتَغَشَّتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمْ
السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ
الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ
عَلَيْهَا» مسلم.
والأكلة بمعنى الوجبة والحمد تعني نسبة النعمة لله تعالى وحده، وأن تحمد
الله دوما فأنت عبدٌ شكورٌ تستحق أن يذكرك الله وأن يزيدك مما شكرته عليه.
وإن من علامة الذِكر الذي رضيه الله تعالى فاستحققت به أن يذكرك الله أن
يطمئن قلبك معه " ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ" جعلنا الله من
الذاكرين له ذكرا كثيرا الفائزين بما أعد من مغفرة وأجرٍ عظيمٍ كريم.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ
فضله وجزيل عطائه وتوالي إحسانه والصلاة والسلام على أصدق العابدين الشاكرين محمد
بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فيقول تعالى "إِن تَكۡفُرُواْ
فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن
تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡ" ويقول سبحانه " مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ
بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا" فالشكر حقا هو
التوحيد الخالص والأداء المنتظم للفرائض وأن يكون اللسان والجنان رطبين معطرين
بذكر الله كل حين. يقول سبحانه "فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ
رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ
أَحَدَۢا" عَنْ مُعَاذٍ
قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا
مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ
أُحِبُّكَ. قَالَ: "فَإِنِّي أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ
صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ
عِبَادَتِكَ" نصدق العزم ونستعين بالله لنفوز فوزا عظيما، هذه وصية الله
ووصية رسول الله كي نعيش بخير وفي سرور ونرحل في خير وعلى خير ونحشر إلى خير
ونُسَرُ يوم نلقى ربنا جلّ وعلا. فاشكروا الله بتوحيده وبأداء فرائضه وأوامره
وبكثرة ذكره كل حين وبالأخص في ختام العبادات وحين الأكل والشرب.
ثم صلوا وسلموا عباد الله على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم جلّ في
علاه "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ
عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ
وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
تعليقات
إرسال تعليق