خطبة الجمعة 20/ ذي القعدة / 1444 الحث على الزواج وتبيان وعد الله بالعون والغِنى والتحذير من التشدد في البحث والسؤال
الحمد لله العلي العظيم، مالك الملك ومدبر الأمر الحكيم العليم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام أنبيائه ورسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، وتذكروا قول ربكم جلّ في علاه {وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ}
فاستبشروا عباد الله وأحسنوا القول والعمل وترقبوا تحقق الأمل وما هو أفضل.
وإن مما بشّر الله به عباده المتقين، هو أن اليُسر قرينٌ لهم مهما اشتدت
الخطوب والأزمات بالمجتمع، ينزل بهم ما ينزل بغيرهم ولكن يمرّهم ويزعجهم ولكن لا
يضرّهم بأمر الله، وهذا وعد الله لعباده المتقين "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ
يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن
يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ
قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا" ويقول سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ
يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا"
لمّا شكّك المنافقون في وعد ربهم وخافوا من الصدقة على أموالهم قال سبحانه
"وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ" فجعل سبحانه سبب خوفهم أنهم لا
يفقهون، في تنبيه إلى رزق الله له أسبابه التي لا يعرفها المنافقون ومن شاركهم
الشكّ والظن فاعتمدوا على حسبة مادية بحتة، وفي ذلك يقول عزّ وجلّ "ٱلشَّيۡطَٰنُ
يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم
مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ" وعقّب هذا
بقوله سبحانه "يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن
يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ
أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ" فالحكيم هو من يميز بين وعد الله ووعد الشيطان، الحكيم من يُصدّق بوعد
الله ويؤمن به ويسعى إليه وينتظره بصدق وشغف بخلاف غيره.
وإن من وعد الله لعباده ما وعد به الشباب وأهاليهم فقال سبحانه "وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ
مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ
فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ" ويقول جلّ
جلاله "وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ
لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم
مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ" والنبي صلى الله
عليه وسلم يقول: ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُمُ: الْمُجَاهِدُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعِفَّ، وَالْمُكَاتَبُ
يُرِيدُ الْأَدَاءَ. أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
وعدٌ بالغنى والعِوض الجميل وهبة للود والرحمة وتأكيد للعون والمساندة، هذا
وعد الله وما قضى به الله على نفسه تهيئة لأسباب النجاح في تحقيق حياة سعيدة
للمسلم والمسلمة.
وتحقيقا لمبدأ الاستخلاف في الأرض فقد جعل الله تعالى النفس البشرية
ميّالة لشريك تُكمل معه رسالتها في هذه الحياة وتستعين به على مواصلة دورها في
تكون المجتمع "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي
تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا" وقال جلّ
جلاله " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ
وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ
ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ
وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمََٔابِ" ويقول صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من
دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» أحمد والنسائي والحاكم
وصححه الألباني وغيره.
ومن كثرة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الشباب على الزواج ويرّغب
فيه قال الإمام أحمد رحمه الله: ليست العزوبة من الإسلام في شيء ومن دعاك لغير
الزواج فقد دعاك لغير الإسلام"
نعم هناك طائفة من الشباب أمرهم الله بالتريث في الزواج وألا يكون الزواج ذا
أولوية عندهم وهم المعدمون لا يجدون عملا ولا يملكون مالا ولا معينا "وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ
ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ" أما من كان
لديه دخل أيا كان فهو من المدعوين للإقدام على الزواج الموعودين بالغناء إن قصدوا
عفة أنفسهم، والكل موعود بما يغنيه ما لم يختبر ربه، فإن من يختبر ولا يصبر فهو
المحروم المعذّب.
الحمد لله الولي الحميد البر الرحيم الحي القيوم والصلاة والسلام على
المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين
وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فأمام هذه الفتن المثيرة للغرائز والتي تعج بها
الحياة في كل جوانبها، وتصديقا بوعد الله واستجابة لما دعا إليه سبحانه ودعا إليه
رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام فإننا مطالبون بتحمل مسئوليتنا في تكوين الأسر
لأولادنا الذكور والإناث على حد سواء، بحثهم على الإقدام وبتذكيرهم بوعد الله لهم
بالعون والتيسير، وبالتثقيف حول أنماط العيش والتعايش الصحيحة، وبتبسيط فكرة تكوين
الأسرة وإزالة شبه الشيطان ومن شابهه التي يغرزها في أفكارهم نحو الحياة الزوجية.
كثير من الأسر ترحب وتعلن ترحابها بالشاب الصالح في نفسه الساعي بجد لتحسين رزقه
بغض النظر عن مقدراته المالية الحالية ومع ذلك تجد كثيرٌ من الشباب يتوهم عكس ذلك،
ويرغب التريث حتى يفوته جمال عمره، بالغم من زعمه الإيمان بوعد الله بالعون
والسداد لمن عزم وبذل الأسباب.
عباد الله يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا
أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوه
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ} ابن ماجة والحاكم. وفي صورة من صور
مخالفة هذا التوجيه النبوي الكريم نجد بعض الأسر حينما يتقدم شاب للخطبة منها تقوم
بالسؤال الدقيق عن كل جوانب حياته، وعن تفاصيل ماضيه التي حدثت في فورة الشباب
ونزواته وانتهت وخفيت بتوبة وصلاح حال أو بتقدم عمر ونضج واكتمال عقل، مع أن النبي
صلى الله عليه وسلم أكّد على النظر للحال حينها ونبّه للاكتفاء بالرضا في السلوك
وليس بالكمال.
إن هذا التشدد في السؤال لهو من أسباب تعطل الفتيات والشباب عن الزواج،
وسبب لفساد الزواج إن تمّ إذ قد علم الولي وموليته ذلك الخطأ ومع ذلك قبلوا به
فكان سببا لاحتقار الزوجين لبعضهما وسببا للجرأة على العودة لذلك الخطأ وسببا
للعيش بكثير من الحرج إذ يتم التذكير بذلك الخطأ كما قد تُعير الفتاة بأنهم إنما قبلوا
بالزوج بالرغم من سلوكه الخاطئ لخلل لديها تعلمه أسرتها، وهكذا من شدد في السؤال
شُدد عليه في الحال والمآل، فلينوا لبعضكم تكن حياتكم جميلة وتنالوا سعادة الحياة
وبهجتها وقد قيل في الأمثال المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ حَتَّى تَخَالَهُ مِنَ
اللِّينِ أحمق. نعم سل عن صلاته عن سلوكه الحالي عن أنشطته الحالية عن رفقته
الحالية وتقرير الفحص الطبي يكشف كثير مما تحتاج معرفته فلست بحاجة لكثير سؤال.
عباد الله في زماننا اليوم تقطعت كثير من الصِلات والاجتماعات الأسرية
وأصبحت مقتصرة في عمومها على الأسرة الصغيرة أو على الأقران فقط واحتاج راغب
الزواج لكثير من الجهد في البحث والسؤال عن الفتيات في سن الزواج، وواجبنا التعاون
في عرض الأسر التي نعرف على من نثق فيه من الشباب تشجيعا لهم وتيسيرا لعملية
الاختيار واختصارا لكثير من الجهد في هذا الجانب ومشاركة في تكوين أسرة ينالك
ثوابها.
تذكروا عباد الله وعد الله واستبشروا وذكّروا به أحبتكم وبشّروهم ببشارة
الله وبشارة نبيه عليه الصلاة والسلام. حثوا على الزواج صيانة للشباب من الجنسين فالعاقبة
صيانة المجتمع كافة ورغد عيشه مهما وعد الشيطان وجنده بالفقر.
تعليقات
إرسال تعليق