خطبة الجمعة 6 /ذي القعدة / 1444 حقيقة عذاب القبر وكيف نتجنبه

 

الحمد لله الحكم العدل، فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى "قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ" ويقول سبحانه " مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ" ويقول جلّ جلاله " كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ" فاتقوا الله عباد الله بتوقي كل ما يجلب السوء يوم اللقاء، واتقوا الله بالإقبال على كل ما يجلب البهجة والفرح يوم اللقاء مع الربّ جلّ وعلا.

عباد الله كلنا نعرف كم كان رسول الله ﷺ براً بأمته رحيماً بهم حريصاً عليهم مُبشراً لهم كما كان نذيرا، ومن رحمته وبره وبشارته عليه الصلاة والسلام أن كان يُكثر لأمته التحذير من عذاب القبر ويحثهم على كثرة الاستعاذة بالله منه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُوذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، عُوذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، عُوذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» مسلم. وكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وقيل بعد الصلاة «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» مسلم. وإحاطةً فهذا الذي يستعيذ ويدعو للاستعاذة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر والذي بعث رحمة وكان البر الرحيم الرؤوف بأمته. والله تعالى يقول مؤكدا على وجود عذاب القبر "وَحَاقَ بِ‍َٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ" ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا» مسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" أحمد وصححه الألباني. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» مسلم. عباد الله إن رؤيا الأنبياء حق وهي جزء من الوحي ولقد أُرِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضا من صور العذاب في القبر:

 الصورة الأولى: كانت لمن يرفض القرآن وينام عن الصلاة المكتوبة قال: وَإنَّا أتيْنَا عَلى رجلٍ مُضْطجِع، وَإذَا آخرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ، وَإذَا هُوَ يَهْوي بِالصَّخْرَةِ لِرَأسِهِ، فَيَشْدَخُ به رأسَهُ، فَيَتَهَدْهَدُ الحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبعُ الحَجَرَ، فَيَأخُذُهُ، فَلا يَرْجعُ إليْهِ حَتّى يَصِحَّ رَأسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيفعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأُولى.

والصورة الثانية: للكذاب صاحب الإشاعات والإعلانات التسويقية الكاذبة والنكت المغرضة التي يتشوق الناس لسماعها وتناقلها قالَ: فانْطَلقْنَا، فَأتَينْا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وَإذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بـيده كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَإذَا هُوَ يَأتي أحَدَ شِقَّي وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إلى قَفَاهُ. وَعَينَهُ إلى قَفَاهُ ثُمَّ يَتَحوَّلُ إلى الجَانِبِ الآخَرِ، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغُ من ذلكَ الجانبِ حتى يلتئم ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيفعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المرَّةَ الأولَى.

والصورة الثالثة: للزناة قالَ: فَانطَلقنا، فَأتَيْنَا علَى ثِقَبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أعلاه ضيِّقٌ، وأسفله واسعُ، يتوقَّدُ تحتَه ناراً، فَإذَا فيه لَغَط وَأُصْوَاتُ، فَاطَّلَعْنَا فيه، فَإذَا فيه رِجَال وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإذَا هُمْ يَأتِيهم لَهَبٌ مِنْ أسَفَلَ مِنْهم، فإذَا اقْتَربَ ارتفعوا حتى كادَ أن يخرجوا، فإذا خمدَتْ رجعوا فيها، فَإذا أتاهُم ذلِكَ اللَّهَبُ ضَوضَوْا.

والصورة الرابعة: لأهل الربا يسبح في نهر من الدم ويُلقم الحجارة.

نعوذ بالله من عذاب القبر ومن أسبابه ونسأل الله الثبات والسلامة أقول ما تسمعون واستغفر الله

 

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وصفوة الخلق أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فهلا لاحظنا في صور عذاب القبر الواردة شيئا؟ ألا نلحظ أنها بفضل الله ورحمته مقصورة على أصناف محددة من الناس؟

هم من أساء الصلة بالله بالكفر الصريح وبالزنا وبالكفر رفضا للقرآن وتهاونا بالصلاة، هم من أساء الصلة بمن حولهم بأكل أموالهم وبالكذب عليهم وبإفساد قلوبهم على بعضهم وعلى ولاتهم بالنميمة والكذب والإشاعات، وقوم استحقوا العذاب لإهمالهم للنظافة وعدم توقي النجاسة، والنجاسة الباطنة لا تقل إثما عن النجاسة الظاهرة.

عبد الله ما ظنك وقد تم دفنك ورحل أهلك وصحبك فضغطك القبر وجاءك منكر ونكير، فثبّتك الله ورضيك ونجّاك وفُتّحت لك أبواب الجنة وأتتك روائحها ونعماؤها فقد نُجيّت من عذاب القبر وبُشّرت بالرحمات، ليملأ الشوق قلبك لأهلك تود إخبارهم ليفرحوا معك بما حدث لك، وتخيل نفسك في ليلة نام فيها أحبتك فأتيت أصدقهم حبا فقلت أبّشركم فقد غفر الله لي ووقاني عذاب القبر وأدخلني الجنة.

بوعد الله وبوعد رسوله سيحدث لك هذا إن تعوذت بالله من عذاب القبر واتقيت تلك الأسباب الجالبة للعذاب في القبر وهي أسباب قبيحة عند الجميع يسير تركها على الجميع يحب الجميع السلامة منها ومن أهلها ومن آثاراها. فاحذر تناقل أخبار ومعلومات أتتك عبر برامج التواصل فثمة كذب كبير ونقله لا يعفيك من الإثم ولو كنت جاهلا محذرا، ولصاحب الإعلانات احذر عذاب القبر فكن صادقا فيما تسوّق. وإن زرت المقبرة فسل الله العافية والمغفرة لك ولأهلها وتعوذ بالله من عذاب القبر وسله نعيمه تأمل تلك القبور وسل الله أن تكون كلها مُنعمة معافاة.

عبد الله لحظات تخيل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض موته يزور مقبرة البقيع مُسلماً على أهلها ومعلناً أمنيته أن لو رآك يا من آمنت به واتبعته ولم تره وواصفا إياك بأخيه، فأتم لنفسك ولنبيك وحبيبك الفرحة باللقاء بينكما بالأخذ بوصيته والتمسك بسنته. وحبا لك فحبيبك محمد يدعوك دوما وبالأخص يوم الجمعة للصلاة والسلام عليه كي يردها عليك وكي يصلي الله عليك عشرا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل