خطبة الجمعة 29 / شوال / 1444 الرشوة جريمة اقتصادية واجتماعية

 الحمد لله الغني الكريم، البر الرحيم، الملك العليّ العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فاتقوا الله واحذروه، فقد حذّركم سبحانه نفسه فقال "وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ" وقال جلّ شأنه " وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا"

عباد الله الدنيا دار ابتلاء والإنسان ضعيف بطبعه والمؤمن قويٌ بإيمانه وبعون الله له، يقول سبحانه "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ" ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً ‌وَفِتْنَةُ ‌أُمَّتِي المَالُ" الترمذي والنسائي وصححه الألباني. ولهذا فإن للمال سِحراً يخادع به النفوس فيجرئها على ما تعلم أن نهايته ضُرا لها، ويوهمها بحسن العاقبة معه بالرغم من خطورة الطريق التي قد تسلكها في سبيله، وهذا هو الابتلاء حقا، فمن ثبّته الله نجا ومن نسي الله أنساه الله نفسه ووكله لنفسه، ومن تلك السبل الخِطرة المُزينة من قبل الشيطان ورفقة السوء ومن النفس الأمّارة بالسوء سبيل الرشوة، يتخذها مريض القلب سببا للتكسب وآخر يستخدمها سببا لتجاوز نظام أو أداة لأكل حق غيره وقد قال جلّ شأنه "وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ" ونبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام يقول: لعنة الله على الراشي والمرتشي" أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني.

والرِشوة لا يختلف حكمها باختلاف مسماها فكل ما أُخذ أو أُعطي لأجل تسريع إنجاز معاملة أو تمريرها تجاوزا للأنظمة أو إضرارا بآخرين فهو رشوة محرمة ملعون صاحبها تحت أي اسم كانت وعلى أية صورة تمت.

والرِشوة سُحت عاقبته الخيبة والخسران والحسرات والآلام المتنوعة، يقول عليه الصلاة والسلام: كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به" وفي لفظٍ إِنَّهُ ‌لَا ‌يَرْبُو ‌لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» صححه الألباني. وتكفي لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتعاملين بهذه الرشوة تبيانا للعاقبة المدمرة لهما وتحذيرا منها. كما يكفي المسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ ‌لَا ‌يَقْبَلُ ‌إِلَّا ‌طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " مسلم. فما هذا المال الحرام إلا سترا لصاحبه عن رضا الله وتوفيقه وفضله وما هو إلا لباسا من العذاب لصاحبه في الدنيا وفي الآخرة. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: «‌أَطَبْ ‌مَطْعَمَكَ، وَلَا عَلَيْكَ أَلَا تَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ وَتَصُومَ النَّهَارَ» بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة

الحمد لله رب العالمين الملك البر الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فالرِشوة جريمة اقتصادية وجريمة اجتماعية لا تظهر في أمة إلا آذنتها بالهلاك، ولا يتخذها أحد سبيلا للتكسب أو لإنجاز معاملاته إلا وآذنته بالخزي وسوء الحال والمآل.

ويُطرح سؤال لو لم أتمكن من تسيير معاملتي إلا بدفع الرشوة فهل يجوز لي دفعها؟

فيقال له في مثل حالنا اليوم مع وجود الأجهزة المعنية بمكافحة الرشوة والفساد المالي عموما لا يجوز دفع الرشوة أبدا كما لا يجوز السكوت عن طالبيها ولا عن عارضيها وباذليها، بل يجب إبلاغ الجهات المعنية والتي من أنظمتها الرئيسة حفظ بيانات المبلغين وحمايتهم.

فلنكن عونا لحكومتنا الرشيدة في مكافحة هذه الجريمة كلٌ وما كلفه الله والله تعالى كلف كل من واجه هذه الجريمة بحكم عمله أو علم بها يقينا، وذلك عن طريق الإبلاغ عن الراشي والمرتشي.

حفظنا الله من كل فتنة مضلة وسخر لنا من يعيننا على إطابة مطعمنا اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا واجعل الحياة زيادة لنا من كل الخير والموت راحة من كل شر وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.

أعز اللهم الإسلام والمسلمين ووفق إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده وسائر أعوانهما لما فيه رضاك وخير البلاد والعباد وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله أجمعين.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل