رسالة في التحذير من دعاة الفتنة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه، وبعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نلتقي رعاكم الله هذا المساء في حديث موجز حول وقاية النفس والمجتمع ممن يفسد المشاعر والحياة.

فإن الله تعالى لما خلق الكون فقد خلق الظلمة والنور، ظلمة الكون ونوره، وظلمة القلوب ونورها، وجعل إنارة القلوب من أهم أعمال الخير التي يقدمها البشر لبعضهم البعض، كما جعل سبحانه فعل الخير وحبه وتقديمه فطرة وغريزة للناس جميعا، ولكن كلنا قرأنا وكلنا نتذكر ذلك الحوار الذي أبلغنا الله تعالى إياه وفيه أخبرنا سبحانه بقول عدوه وعدو الجميع إبليس الرجيم "قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا"

وفي الحديث قوله عليه الصلاة والسلام عن ربه جلّ وعلا: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ. الحديث. مسلم.

فالأصل أن الناس خيّرون محبون للخير ويسعون لتقديمه للغير، ولكن ظلمة القلوب الفاسدة دوما تحاول أن تتسلل لِتُخمِدَ ذلك النور الفطري المضيء في قلوب الخيرين، من خلال الفِكر المخادع المُزين ببهرج من القول الذي لا يُكسب المستمعَ إلا غرورا، غرورا يُفسد حياته ويُفسد حياة من حوله.

عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟

قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟

قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»،

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: «نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟

 قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» متفق عليه.

هنا يُبين لنا نبينا وسيدنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم حقيقة لابد أن تمرّ بنا ولابد أن نتوقف عندها، وهي أن هناك حسدة يحسدون الناس على ما هم فيه من خير عامّ أو خاص، بالرغم من أن هذا الخير لا يضرهم ولا يمسهم بسوء، حسدا من عند أنفسهم أن رأوا الآخرين في خير، ولا يهنأ لهم عيش حتى يقذفوا الناس في نار الدنيا تمهيدا للقذف في نار الآخرة، والمصيبة أن لا علامة بيّنة عليهم سوى أثرهم القبيح الذي سيعرفه الجميع ولكن بعد حلول الخراب، ولهم علامة أخرى لا يدركها إلا من أنار الله بصيرته لإدراك أبعادهم الخفية من خلال فلتات ألسنتهم، وهذا ما بيّنه جلّ وعلا بقوله "وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ"

ومن النعم العظيمة والتي هي سبب لنعم أعظم نعمة الائتلاف والحب والتوادّ بين الأفراد وبين الأفراد وقيادتهم، وهؤلاء الحسدة المفسدون يعملون على إفساد هذه النعمة، فيصنعون بقبيح سعيهم نُفرة قلبية ثم يزيدونها اشتعالا حتى تُولّد نُفرة وقطيعة ثم معاداة وأذية، ومن ثم يعيش الناس في عذاب الفرقة والنُفرة حتى تحتويهم جهنم عياذا بالله تعالى.

دعاة الفتنة هم من يفسدون الصلة بين الأحبة سواء على مستوى الأسرة أم على مستوى الوطن بأسره، ولهم علامات بيّنة يتجلى بعضها في الآتي:

·       أنك لا تخرج من مجالسهم إلا بضغينة على من كان لك به ودّ أيا كان، على مستوى الأسرة أو مستوى الوطن، ومن ثمّ تشعر بالرغبة في اتخاذ سلوك مدمر لتلك العلاقة وللحياة كاملة.

·       حديثهم يحتقر ما عليه الناس من سكينة واجتماع وسلامة قلب وفكر، ويدعو إلى التغيير نحو السبل الشيطانية المفسدة. وجاء في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: إنَّ أخْوَفَ مَا أخافُ علَيْكُمْ بَعْدِي كُلُّ مُنافِقٍ عَلِيمِ اللِّسانِ.

·       تجد دعاة الفتنة حين يتطلب الأمر تهدئة النفوس يقومون بالعكس فيثيرون المشاعر ويصنعون الخوف من خلال الإرجاف ونشر الإشاعات وصناعة الفوضى الفكرية، قال تبارك وتعالى "وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا"

·       تجد دعاة الفتنة يحرّضون على ولاة الأمر والعلماء الشرعيين والتربويين وغيرهم ممن يلمس منهم الناس نفعا، ويسعون لإسقاط قدرهم من قلوب الناس بشتى التهم، وفي المقابل تلميع لرموزهم وتقديمهم على أنهم رجال لا يخافون في الله لومة لائم ولا يبتغون إلا رضا الله وصلاح حال الناس، وستكتشف كذب هذا الادعاء في سرعة تفاعلهم مع صاحب سلطة يستقبلهم حتى ولو كان مناوئا لبلدهم بل ولو كان كافرا.

·       تجد دعاة الفتنة قليلا ما يستندون للنصوص الشرعية وإن ذكروا نصا فإنك تلحظ لويهم للنص ليوائم فكرهم وطرحهم وليُوهموا المستمع أنهم أتوا بجديد لم يُسبقوا إليه، حتى ولو كان النص يفهم منه بداهة عكس ما يقولون.

·       ستعرف داعية الفتنة من منطقه إذا ضاقت بك الحياة يوما ما لعَرض ما، فإنه لا يضيء لك شمعة من فكر تقتبس منها رأيا، بل تجد منه تخديرا وإحباطا وتأييسا من خلال تجريدك من مسئولية قرارك الذي اتخذت أو الذي لم تتخذه، لأن عدم إقدامك حينما يتطلب الأمر إجراء ما هو قرار بحد ذاته، وفي اقل الأحوال أنت شريك في المسئولية، فداعية الفتنة يلقي المسئولية كاملة على الآخرين لخدرك وليجعلك سلبيا في حياتك وفي مجتمعك إلا مما يريد إيصالك إليه، ولا يتورع عن السب والشتم والطعن والقذف لمن لا يتفق معه.

 فالفتّان والصادق تعرفهما من أثَرِ حَدِيثهما في قلبك، الطيبون تسمع منهم الكلمة الطيبة المهدئة للنفس، المعينة على التفكير السليم والاختيار بتثبت والنظر في المصلحة الوطنية، والتي لا تأتي إلا عبر صلاح الحال لك أولاً، والخبيثون لا تسمع منهم إلا خبيث المفردات ومصادرة التفكير والدفع لاتخاذ قرار طائش تُفسد به حياتك، ومن أحدث في قلبك سوء وفتنة تجاه الآخرين سواء والديك أو إخوتك أو زوجك أو مسئولا ما أو الوطن بصورة عامة، وأحدث في نفسك احتقارا لنعم الله عليك، فاعلم أنه شيطان يتمثل بصورة مفكر ومنوّر وإصلاحي، وإن أول فساده هو إفساد مشاعرك تجاه غيرك، داعية الفتنة هو من يُحدث لديك شعورا سيئا تجاه الآخرين تجاه دينك وقيمك تجاه وطنك وقادتك، وأسوء منه من يجعل الشعور عدائيا، فاحذره واحذر ما يقول.

الواجب عليّ كمسلم عاقل تجاه دعاة الفتنة هو ردّهم بغيظهم، وذلك بالتفكير والتأمل فيما يطرحون، فما حقيقة ما حدّثوا به؟ وما هي مصادرهم؟ ولماذا هذا السب والشتم والتحريض؟ ولماذا أنا؟ وما المقابل الذي سأحصل عليه بوعدهم؟ وما إمكانية الحصول عليه؟ وما هي تجارب من سبقني ممن خاطبوه أو خاطبه أمثالهم، وكذلك بالتفكير فيما سيحصلون هم عليه جراء تنفيذي لأفكارهم، وهل هم نفذوا أفكارهم التي يلقنون أم لا؟ وهل يسمحون بمناقشة تلك الأفكار أم لا؟ وهل غيرهم من أرباب الفكر يوافقونهم على ذلك أم لا؟ وهل أفكارهم تتفق مع ما أعرفه من نصوص الشريعة أم تخالف؟ وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمَنْ يَعِش مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ" فتثبت ولا تتقبل كل طرح بدون تفكير.

عليّ أن أتأمل فيما يُطرح عليّ من فكر، هل هذا الطرح يعمل على تجويد وتحسين أواصر العلاقة بيني وبين اسرتي، وبيني وبين أفراد مجتمعي، وبيني وبين قيادات وطني، أم يحدث خللا فيها؟

وهل هذا الفكر يعالج ما طرأ من خلل في تلك العلاقات ام يفاقمها؟ هل الطرح الذي سمعته ولّد لدي توترا وقلقا واضطرابا في التفكير أم هدأت به نفسي وأستطيع معه التفكير بارتياح وأن اختار بتأمل.

إني حينما أُخضع كل معلومة جديدة أو ممارسة قائمة للتفكير الصحيح وأربطها بشرع الله فسأكون بخير، والله تعالى إنما دعانا للتفكير ولم يدعنا للاستماع لكل متحدث.

إن منهج الحق أيها الأحبة واضح، ودعاته يبينون في اتباعهم لنهج نبيهم الحبيب عليه الصلاة والسلام، فلا تجد داعية الحق طعّانا في أحد ولا لعّانا، وتجده ينطق بالرحمة لجميع الخلق المسلم وغيره، يدعو دوما لاجتماع الكلمة ويزرع السكينة ويتجنب إثارة الرأي، يقدم الحلول المثمرة لتجاوز العقبات، وتجده كثير الدعاء للمسلمين وبالأخص حكامهم، فإن من أحب الخير للناس دعا لهم وخصّ بالدعاء المؤثرين منهم ولا مؤثر كالحاكم وأعوانه.

أسأل الله تعالى أن يُنير بصائرنا وأن يجمعنا على الحق وأن يحفظ لنا ديننا ووطننا وقيمنا وأن يقينا نار الفتن التي تُراد بنا، وأن يسدد ويوفق قادتنا وولاة أمرنا إلى ما يرضيه جلّ وعلا وأن يجعلنا في هذا الوطن العزيز الغالي إخوة متحابين مجتمعين على كلمة سواء يحدوها نصرة كتاب الله وسنة رسوله وعز الوطن ورخائه ونمائه وأن يغفر لنا وللمسلمين أجمعين.

حامدا الله تعالى على التيسير  وصلى الله وسلم على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل