رسالة في مقومات حب الوطن

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله على آله وصحبه ومن والاه وبعد
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه الليلة نلتقي في حديث مهم بشأن سندنا في هذه الحياة بعد الله جلّ في علاه، هذا السند الذي أمرنا الله تعالى بالعناية به ورعاية حقوقه كي نتمتع به وكي نتعبد لله تعالى حق التعبد في ظلاله، إنه الوطن ومقومات حبه، الوطن تلك المفردة العظيمة الجميلة التي تعني الحب والسكينة والاستقرار والطمأنينة والعز والسؤدد والعِيشة السعيدة.
 
من المعلوم أيها الأفاضل والفاضلات أن حب الوطن فطرة وغريزة لدى الكائنات الحية جميعها وليس فقط الإنسان، فكثير من الحيوانات والطيور تحن إلى موطنها بشكل يتعجب منه كثير من الناس، وقد تمرض وتموت لو وُضِعت في بيئة أخرى، بل وتجد من البعض استغرابا من طير آثر الاستقرار في مكان ما أثناء عبوره على العودة لوطنه، فحب الوطن والانتماء إليه والحنين إليه والطمأنينة فيه فطرة وغريزة وضدها نكسة ومصيبة.
ومن العجب أن هذه الفطرة أصبحت في زماننا تحتاج لاستدال شرعي، وما ذاك إلا لتلك الشُبه التي زُرعت في عقول البعض من أن الوطنية تنافي شمولية الإسلام وعالميته! وأن حب الوطن يحدّ من المشاعر تجاه الإخوة المسلمين شرقا أو غربا، أو أن حب الوطن يوحي بألوهية لغير الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
إننا نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية تأكيدات لفطرية حب الوطن والانتماء إليه. فقطاع الطرق من عقوبتهم النفي في الأرض أي الإبعاد عن الوطن "إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" فالبعد عن الوطن باستمرار يولّد شعورا بألم وفقد وهو نوع من العذاب غالبا.
وكذلك كان المشركون مع كل الأنبياء والصالحين يعاقبون المعتنقين للإسلام بالتهديد بالإخراج من الوطن وهذا دليل على هذه القوة النفسية للوطن في نفوس أهله " وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ"
ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم تمتعه بالأمن وحرية الديانة ووجود المناصر والعيشة الأفضل في المدينة من أن يعلن حنينه إلى مكة بالرغم من قسوة العيش فيها بل وقسوة طبيعتها! وبالرغم من سوء العلاقة مع المجتمع آنذاك فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ، مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» أحمد وابن حبان وصححه الألباني.
وفي طريق الهجرة أنزل الله تعالى على نبيه الكريم تسلية له وتبشيرا "إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖ" أي لرادك إلى مكة، نُقل ذلك عن ابن عباس ونقله الشوكاني عن جمهور المفسرين.
ولما قدم المهاجرون إلى المدينة فأصابتهم الحمى قال بلال رضي الله عنه: اللهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بنَ رَبيعةَ وَعُتْبَةَ بنَ ربيعَةَ وَأُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ كما أَخْرَجونا من أَرضِنا إلى أَرضِ الوَباءِ. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ذاك قال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينا المدينَةَ، كحُبّنا مَكةَ أَو أَشَدَّ، اللهُمَّ بارِكْ لنا في صاعِنا، وفي مُدِّنا، وَصَحِّحْها لنا، وانْقُلْ حُمَّاهَا إلى الجُحْفَةِ".
فحب الوطن والتعبير عن هذا الحب والانتماء إليه فطرة وغريزة ولا يماري فيها عاقل متجرد، ولا ينكر على الناس حبهم لوطنهم إلا جاهل أو فاسد الرأي والقصد، فالوطن نعمة لا تقدر بالثمن، والحرج من التعبير عن حبه خلل في سلامة الشخصية وقوتها، وفقد الوطن عقوبة لا توصف، والجناية على هذه النعمة نعمة الوطن جريمة قد لا تغتفر.
وإن حب الوطن ليس مجرد كلمات تقال ولا شعارات ترفع وإنما سلوك ومنهج له أسسه ومقوماته التي شرعها الله تعالى وعلّمنا إياها نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام.
وأول هذه المقومات: القلب الصادق في حبه للوطن، والثاني: إظهار المشاعر القلبية الودودة الصادقة لجميع من حوله من خلال ممارسات إيجابية يسمعها ويشاهدها منه الآخرون. وملخص ذلك نجده في قول الله تعالى.
"وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ "
وفي قوله عزّ وجل "ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ"
وكذلك نجدها في قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» مسلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» مسلم.
فهذه جملة ممارسات متى ما كانت صفة لفرد ما كانت علامات صريحة لحبه لوطنه، فحبك لوطنك يحملك على عبادة لله وحده لا شريك له، إذ الشرك سبب للعِيشة النَكِدة وفساد لكل نعمة تأمل قول الله تعالى "لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا" والبؤس والخذلان وذم الخلق لحد ما تجده لدى من أعرض اللهُ عنه وتركه لمخلوق مثله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " مسلم.
وحبك لوطنك يحملك على حب وأداء الصلاة فهي أفصل الصِلات مع الله تعالى وبالتالي تستحق أنت ووطنك حب الله وصِلته الأفضل ولطفه وعنايته.
وحبك لوطنك يحملك على إحسان القول والعمل للآخرين وبالأخص الوالدين ومن في منزلتهم من القيادات العامة لوطنك، ثم الأقربين ثم بقية المجتمع الجيران والزملاء والخدم وكل من شاركك الطريق أو المكان وكل من تولى لك خدمة في شتى المجالات الخدمية في وطنك.
وحبك لوطنك يحملك على ألا تقبل على أحد ممن حولك نقصا تجاه نفسه في دراسته وفي صلته بأسرته ومجتمعه وفي كل خير له من أمور دينه ودنياه، لا تقبل منه نقصا وهو قادر على الأفضل، وهذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وحبك لوطنك يدعوك للمحافظة على المشاهد الجمالية للبلد ورعاية البيئة وإزالة كل ما يشوه المنظر العام أو يضر بمستخدمي الطرقات.
وتمام حب الوطن وقائمته الرئيسة حمايته والدفاع عنه، كلٌ وما كُلِفَ به وما يسّر اللهُ له، فلا يمكن قبول دعوى حب الوطن ممن يسمع لكل ناعق ويتفاعل مع كل طرح مسيء لوطنه ولقيادته، حب الوطن يتمثل في الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله بالالتزام بالأنظمة، وبعدم الاستماع للمغتاب والنمام ومقاطعته، والذبّ عمن يٌستهدف بتلك الجريمة القولية من ولاة الأمور وغيرهم، حتى لا يستمر المغرض في نعيقه المفسد للحياة وحتى لا يستمرئ الصالحون الاستماع إليه والتفاعل معه ومن ثم محاكاته في غيبته ونميمته فيتحول المجتمع لأدوات تهدم وطنهم بدلا من رعايته والتمتع به، وما مبتدئ الشرر إلا مستصغر ومستحقر المخالفات الشرعية.
فحب الوطن يقوم على فاعلية وإيجابية الأداء والمتمثل بصناعة الحب والسكينة والجمال للآخرين وبثّ أسبابها التي يسّر الله لنا استخدامها وأهمها ما تمت الإشارة إليه.
هذه مجموعات وسائل وممارسات أراها مقومات للحب الصادق للوطن سائلا الله تعالى القبول والرضا ومغفرة الزلل والتقصير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل