خطبة الجمعة الأحلام والرؤى رسائلها وأحكامها 18 / شعبان / 1444

 الحمد لله الولي الحميد عالم الغيب والشهادة اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله يقيكم ما يضركم، وسارعوا إلى مرضاته يسارع إليكم بفضله ورضاه.

عباد الله يقول ربنا تبارك وتعالى "ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ"

فبين الموت والنوم تشابه كبير، ومن أحوال النائم يُستدل على عذاب القبر ونعيمه، فالنائم بجوار زوجه أو في غرفة مشتركة يرى ما يفُرحه ويسره أو ما يُزعجه ويؤلمه والآخر لا يشعر به وهو أقرب ما يكون منه.

وما يراه النائم في منامه لا يخلو من أحوال ثلاثة، ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بقوله: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» وَقَالَ: "الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالرُّؤْيَا مِنَ الشَّيْءِ يُحَدِّثُ بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلَا يُحَدِّثْهُ أَحَدًا، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ"

فالرؤيا في أصلها وحيٌ من الله تعالى وهذه تكون للمؤمن الصالح صادق الحديث وتكون مبشرة، وقد تكون الرؤيا أضغاث أحلام والتي تأتي بسبب ضغوطات نفسية يصنعها الإنسان لنفسه عند النوم، حينما يحدث نفسه بتخوف من حدث ما أو بتصور الحال في خصام مع شخص ما أو يحدث نفسه بآمال بعيدة المنال، فيُنفس العقل عن هذه الضغوطات بأضغاث الأحلام التي لا رابط بينها وبين الواقع، بل ولا ترابط بين أحداثها أصلا، وقد تكون الرؤيا كابوسا مفزعا مقلقا فهذه إيحاءة شيطانية ليبث الحزن للمسلم، وهذه ينبغي تجاهلها والإعراض عنها، ويخفف الرائي عن نفسه من آثارها بذكر الله تعالى وبالاستعاذة من الشيطان الرجيم وبالنفث عن يساره وتغيير وضعية نومه، وإن تيسر له القيام والوضوء والصلاة كان مغنمه من الهدوء والراحة النفسية والسلامة من الشر أكثر بكثير. وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ"

ولكي تفوز برؤيا صالحة بإذن الله تستبشر بها، كن صالحا في نفسك صادقا معها، صالحا في تعاملك مع غيرك وصادقا معهم، وتجنب الكذب في الحديث ولو مازحا ما استطعت، واعتن بالوضوء عند النوم وبأذكار النوم التي وصّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي موجودة في كتب الأذكار ومنها الكِلم الطيب وحصن المسلم وغيرها كثير، وإن شرُفتَ برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في منامك على الهيئة التي نُقلت إلينا في كتب السيرة، فهنيئا لك واستبشر بما قال لك وجدد به عزمك للحاق به عليه الصلاة والسلام فالشيطان لا يستطيع أن يتصور في هيئة النبي عليه الصلاة والسلام ولكن قد يوهم بأنه هو فيأتي بصورة لا تتفق وما وُصف به النبي عليه الصلاة والسلام فانتبه لذلك رعاك الله واجتباك. وراجع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه الخِلقية لعلك تحظى برؤيته وببشارته.

ومن رأى رؤيا حسنة مُبشرة سرته وأفرحته فعليه بوصية النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ، مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ» وقَالَ: «وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ، أَوْ ذِي رَأْيٍ» وفي لفظ «وَلَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا» ويعقوب عليه السلام لما أدرك خطر عرض الرؤيا الحسنة على كل أحد حذر ابنه "قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ"

هذه وهم إخوة فما بالك بغيرهم.

ومن رأى رؤيا غريبة مُنكرة فلا يُحدث بها. عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ» مسلم. وفي لفظ عند مسلم أيضا، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ».

ومن الخطر العظيم أن يدّعي امرئ رؤيا لم يرها يقول عليه الصلاة والسلام: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ؛ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ." البخاري أي قال رأيت في المنام كذا وهو كاذب لم ير كلف أن يعقد بين شعرتين.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة وجعلنا من أهلهما وغفر لنا ولوالدين وللمسلمين أجمعين.

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فليس بجديد على الناس البحث عن مفسر للأحلام رجاء فرحٍ وأملٍ وخوفاً من شرٍ وضرٍ، ولكن مخالفة الوصايا النبوية في هذا المجال سبب للحرمان من البشارة وقد يكون سببا لوقوع ما يُكره.

وفي زماننا هذا توسع الناس في مجال تعبير الرؤيا وأصبح لها تجارها، وتسابق كثير لعرض قدراتهم في تفسير الرؤى عبر وسائل التواصل تكسبا للمال وبحثا عن الشهرة، ولا يتحرجون من طلب الدعم من المستمعين بل ويشترطون على من يعرض رؤياه دعما ما في سبيل التكسب وهذا دليل صريح على تلاعبهم، وقد قِيلَ للإمام مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ! وقَالَ رحمه الله: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُتَلَاعَبُ بِالنُّبُوَّةِ.

فإن كان الله جلّ في علاه قد أنعم عليك بوحي منه سبحانه يبشرك به فاستبشر ولا تُسلم الوحي لمن يلعب به، واحتفظ بسرك لنفسك، لا تجر الضر على نفسك بإخبار من قد يزعجه فرحك وأنت لا تعلم بما في قلبه وتذكر إخوة يوسف. استبشر بالرؤيا الصالحة وأحسن الظن بالله وأصلح قلبك وعملك ولا تتكل عليها، قال الإمام أحمد رحمه الله: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره.

لا تجعل وحيا الله إليك سلعة يُتكسب بها، ولا تجعل تلاعب الشيطان برؤاك سببا للسخرية بك، أو بابا للقلق والهمّ أن يسكن قلبك، وزاحم الأفكار المزعجة عند بالتلاوة وبكثرة الأذكار حتى يغلبك النوم وأنت في ذكرٍ وهدوء وسكينة أتت بها رحمة الله إليك. تجنب الأفكار التي ترفع ضغطك او تسرح بخيالك على غير هدى فيُنفس عقلك عن الضغط عليه بأحلام وخيالات تفسد عليك نومك وتقلقك بقية يومك.

وإن كان لابد لديك من عرض رؤياك على مفسر، فاختر عالما لبيبا ذا رأي معروف بصلاحه لا يبتغي بالتأويل عرضا من أعراض الدنيا وإلا فلا تعرض رؤياك على أحد وسل الله الحفظ والعناية والرعاية.

ومن تلك الأحلام والرؤى تذكر عذاب القبر ونعيمه فسل الله النعيم وتعوذ به من فتنة وعذاب القبر، واسع ليكون نومك وموتك راحة ومتعة لك.

ثم صلوا وسلموا على نبيّ أخبر بحبه لكم وبأمنيته في رؤيتكم، وسينتظركم عند حوضه العظيم لتجتمعوا معه ومع أحبتكم فتعيشوا فرحة كبرى وسرورا بالغا بينما المشركون والمنافقون والعصاة في عرصات القيامة يكابدون الأهوال. صلوا عليه يصلي الله عليكم وملائكته، وحافظوا على سنته وهديه تكونوا إخوته.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل