خطبة الجمعة موعظة مع انتصاف شهر شعبان 1444
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" ويقول سبحانه "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ"
عباد الله وها هي الأيام تمضي بنا
مُسرعة نحو هذا اللقاء العظيم حيث استلامنا لكتابنا محًلة نتائج أعمالنا، ونحن مع
يقيننا به ووجلنا منه إلا أننا في غفلة نظن الوقت لا زال مبكرا، نحمل أحبتنا إلى
قبورهم ونعود كأن لم نُذكّر بتوديعهم يوم رحيلنا ووداع أحبتنا لنا!
عباد الله إن المؤمن وهو في سيره نحو
الله والدار الآخرة تعمر الثقة برحمة الله له قلبه، ويضيء حسن الظن بالله فؤاده،
فيعمل ما أُمٍر به، ولكن كثيرا ما ينسى المسلم محوَ خطيئته وينسى تنقية سجله ويغفل
عن حاجته لحال ترضي ربه عنه حينما يسأل عنه، وحينما يطلّع سبحانه على عمله، وينسى
حاجته لقلب يعينه على كسب معية الله له في كل شأنه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ
مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ. وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ
الْعَصْرِ، وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: «كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟» فَيَقُولُونَ:
تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ. متفق عليه.
أتخيلت عبد الله هذا السؤال الإلهي عنك
كل يوم مرتين؟
إذن اعتن بكسب حال تكن الإجابة عنه
مرضية لربك ومن ثم تسرك.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي
كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ
الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا " مسلم. و (اركوا هذين أي أخروا هذين)
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَطْلُعُ اللَّهُ إِلَى
خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ
إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» أحمد وابن حبان وابن
ماجة والترمذي وصححه جمع من المحققين.
هي مواهب ربانية للعباد المنيبين
الطائعين كي يكونوا في أحسن حال عند سؤال الله عنهم وعند انتقالهم نحو الدار
الآخرة، حالٌ تُرضي الله عنهم فيسرهم رضا الله عنهم، ومن أراد هذه الحال الحسنة
فليستغل هذه الفرص وليأخذ هذه الهبات الربانية فالزمن يتقلب بسرعة تجعل التردد والتسويف
غير مبرر.
عباد الله وإن من الفرص الربانية التي
لا يُفرط فيها مؤمن هي فرصة رمضان تلك الهبة الربانية العظيمة في كل عام لكل مؤمن
تأخر أجله قليلا، ولأن رمضان فرصة عظيمة فإن انتظارها حلولها لبدء العمل تفريط
فيها.
أتنتظر ضيفك الذي أخبرك بقدومه حتى يقدم
فتهيئ المنزل له؟
أو تنتظره حتى إذا جلس ذهبت لإعداد
ضيافته؟
بالتأكيد هو لن ينتظرك بل سيرحل وأنت لا
زلت تفكر وتستعد، ولن يأبه لاعتذارك بالتقصير وهو يرى قدر تفريطك وإهمالك، رمضان
هو الضيف العزيز الكريم، وشعبان بما فيه من فضائل إنما هو تهيئة الأنفس لاستضافة رمضان
كما يجب.
كي تقرأ القرآن في رمضان قراءة تسرك يوم
تلقى ربك ابدأ اليوم، كي تتلذذ نفسك بالصيام والقيام فلا تكتفي اليوم بأداء فريضة
ربك، بل خذ من النوافل أكثر واتل كتاب ربك أكثر، لا تدع نفسك تحاول التلذذ بالقرآن
في رمضان بل اجعلها تحاول اليوم حتى إذا جاء رمضان وإذا بك من أهل القرآن بكل
ارتياح.
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ صَوْمًا لَا
تَصُومُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّهُورِ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ:
«فَذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ شَهْرِ رَجَبٍ وَشَهْرِ
رَمَضَانَ، تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ النَّاسِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَعَ
عَمَلِي إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ» أحمد والنسائي
وحسّنه الألباني.
الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب
وقابل التوب مالك الملك وواسع الفضل والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج
المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد فتذكر عبد الله أن الله
اصطفاك واجتباك وهداك وعلّمك، وبيّن لك سؤاله جلّ جلاله الدائم عنك، فلا تُوحي لملائكة
ربك عدم المبالاة بهذا الاختيار والاهتمام، قدّم أمام الملائكة ما يسرك أن يجيبوا
الله به عنك، قدّم ما يرضي الله عنك حينما يطلّع عليك وعلى عملك، تذكر رعاك الله
أنك الآن بين يدي ربك، وأنك حينما تقوم تصلي فأنت بين يدي ربك، وأنك إن تسل ربك
فإنما تسأل ربا قريبا يستحي منك أن تُرد خائبا، فأحسن المقام بين يديه وأظهر له
جلّ وعلا خضوعك وصدقك وطهارة قلبك من كل غلٍ ومن كل شرك ومن كل قصد سوء بأحد من
الخلق.
وتذكر برحيل من رحل قرب ركوبك نفس المركب، وسكناك نفس المسكن، ووداع أحبتك لك كما ودعت من تحب، وتذكر أن كل من شيّعك سيعود تاركا إياك وحدك أنت وعملك الذي إن جعلته مرضيا لربك اليوم فسيسرك مرآه ذاك اليوم، هل تخيلت رعاك الله نفسك مُوسد في قبرك وأنت وحيدا وجِلا والظلمة تحيط بك، فيقبل عليك رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يناديك أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فتبتهج فَرِحا مستبشرا وتقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول لك أنا عملك الصالح، فلا تملك من شدة الفرح والابتهاج إلا أنت تنادي ربك جلّ وعلا رب أقم الساعة حتى أرجع لأهلي فأبشّرهم.
فدونك رعاك الله هذا الوجه الحسن الذي بدأت فعلا إعداده فحاول إكمال جماله واصنع لك اليوم نورا في قبرك وأنسا وحاميا يدافع عنك فأنت هناك وحدك إلا من رحمة ربك ثم عملك الذي قدمت.
"قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ" جعلنا الله ووالدينا وأهلنا وأحبتنا أجمعين من المكرمين، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
تعليقات
إرسال تعليق