خطبة الجمعة 27 / 7 /144 الإسراء والمعراج واقتران الصلاة بعلو المكانة والدرجة
وبعد عباد الله فاتقوا الله فإن الله قد
وعد بأن يكون جلّ جلاله مع المتقي وأن يجعل له مخرجا من كل كرب ويسرا مع كل عسر
وأن يُعظم له الأجر إن اتقى وصبر.
عباد الله كان المشركون يتفننون في
تعذيب المسلمين، ويبذلون كل جهد ومال ممكن لصد العرب عن النبي الكريم، وكان
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لا يجدون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يبثونه همّهم وشكواهم فيصبّرهم ويتلطف بهم وهو الموجوع أكثر منهم والله جلّ في
علاه أرحم بهم منه ومنهم بأنفسهم.
وإن من سنة الله تعالى دعم عباده
وتحفيزهم وإشعارهم بقربه جلّ وعلا منهم وأنه سبحانه لم يضيّعهم ولم يهملهم بالرغم
مما يغلب على الأحداث من أذية لهم، من خلال رسائل يعرفونها بإيمانهم فيصبرون على
الألم بعونه ولا يقتلهم الهمّ برحمته وتتهيأ لهم أسبابٌ لتجاوز المحنة من حيث لا
يحتسبون.
ومن ضمن تلك الرسائل الإلهية يأتي جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ويأخذه في رحلة عجيبة على دابة غريبة، فيتجه به إلى بيت المقدس مشعرا إياه بأن هذا البيت المقدس سيئول إلى مُلك وتبعية أمته وأن عليهم أن يرعوه، ومن تلك الصخرة بجوار بيت المقدس يعرج به إلى السماء ويمر بالأنبياء في كل سماء في أخبار عظيمة يجب أن تُراجع وأن تُقرأ وألا يُكتفى بمعلومات الدراسة أو الأحاديث العابرة في المساجد، ويريه جبريل عليه السلام النار وأهلها ويريه الجنة وأهلها ويُطلعه على منزلته فيها، حتى إذا أطال التأمل في الجنة مبتهجا بما يرى أمره جبريل بأن يكمل المسير حتى أوصله لسدرة المنتهى، وهنا يتدلى جبريل في السدرة العظيمة حتى لا يكاد يُرى وهو المَلَك الذي له ستمائة جناح ويسد الأفق من عِظم خِلقته، وينادي الله جلّ جلاله وتقدست أسماؤه وعلت صفاته وتنزه عن كل شبيه وشريك ومثيل ينادي خليله ورسوله الحبيب محمد فيناجيه سبحانه بما شاء، ثم يعود جبريل بالنبي إلى الأرض مرة أخرى ولا تخلو العودة من أخبار عظيمة لابد للمسلم من مراجعتها في كتب الإسراء والمعراج المحققة، فلما أصبح عليه الصلاة والسلام أخبر الناس خبره فكذبه المكذبون أصلا، وارتد من كان مترددا، وصدّقه الصادقون المؤمنون وازدادوا إيمانا مع إيمانهم.
يقول تعالى " سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ"
ويقول جلّ شأنه "وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ"
وفي أحاديث صحاح أجمعها مختصرة يقول عليه الصلاة والسلام: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا أَنَا بِابْنَيْ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ وإِذَا هُوَ قَدِ اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالَ الله: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ولكنْ أرْضَى وأُسَلِّمُ. قالَ: فلمَّا جاوَزْتُ ناداني منادٍ: أمْضَيْتُ فَرِيضَتي، وخَفَفْتُ عن عبادي، وأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْراً. وقال صلى الله عليه وسلم: لمَّا كَذَّبَني قريشٌ حينَ أُسْرِيَ بي إلى بيتِ المَقْدِسِ قمتُ في الحِجْرِ، فجَلا اللهُ لي بيتَ المَقْدِسِ، فطَفِقْتُ أُخْبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أَنْظُرُ إليهِ". وقد ذكرته مجمّعا من الصحيحين مختصرا.
لتكون تلك الرحلة العظيمة رسالة عظيمة
من العليّ العظيم للمؤمنين أني معكم وقريبٌ منكم فلا تيأسوا ولا تُحبطوا ولا تهنوا،
واستعدوا لما هو أعظم من مهام ومن ابتلاءات، متذكرين قرب الرب ومعيته وعاجل نصرته،
واستشعروا نصرته لكم في مشاعركم التي تزداد أملا وتزداد بالعمل فرحا وتزداد يقينا بولايته
لكم، واستشعروا قرب الرب ونصرته في كيفية تجاوزكم للأزمات تمرّ بكم قاسية ثم ترحل
بلا ضرر، كيف يُقر أعينكم بأولادكم وبأعمالكم وكيف يجتبيكم ويجعلكم من المصلين
الذاكرين مع يقينكم بتقصيركم، وقد يُتم النصر لكم بدحركم لعدوكم أو يريكم دحره بيد
غيركم أو يبهجكم بتمام أمركم وغيظ عدوكم أو صور أخرى ستدركونها لو تأملتم حالكم. في
حادثة الإسراء والمعراج رسائل عدة تُجدد الإيمان بالخالق جلّ وعلا، وتُجدد العزم
على التمسك بالسنة وبالتقوى، وتُجدد اليقين بأن القادم أجمل مهما قست الظروف يوما
ما. واستعينوا بالاستغفار على تحسين الصلة بالخالق جلّ وعلا،
الصلاة عبادة خصّها الله بعناية بالغة
فهو جلّ في علاه باشر الأمر بها وأصعد نبيه إلى السماء وقرّبه من العرش لأجلها ويبشّ
سبحانه لعبده إن خرج من منزله بسببها ويكتب له خطواته في سيره إلى مقر أدائها ويُقبل
على عبده إن كبّر مستفتحا إياها ويأمر ملائكته أن تستغفر لمن انتظرها ولمن أداها
حتى يقوم من مصلاه.
إذن فالعناية بها سبب لعناية المولى بك
وبحسب قلبك فيها يكون صعودك في السماء وبقدر نوافلها في سجلك يكن قرب منزلتك من
منزلة نبيك.
عباد الله راجعوا قصة الإسراء والمعراج في
الصحيحين أو في الكتب الخاصة بها والمحققة علميا فستجدون إيمانا يتجدد في قلوبكم،
واستعينوا بالقرآن وبالصلاة للاقتراب من الوسيلة منزلة الحبيب في الجنة، واصبروا
فلا وصول بلا صبر ولا صبر مع تذمر وشكوى لكل أحد.
ثم صلوا وسلموا على نبي كريم بر رحيم جُعلت قرة عينه في الصلاة واختار الصلاة عنوان شكره لمولاه وقد أحبكم وتمنى رؤيتكم يا معشر من آمن به ولم يراه فأكثروا عليه من الصلاة يصلي الله عليكم بكل صلاة عشرا رضا منه لصلتكم بحبيبه نبيكم وحبيبكم.
تعليقات
إرسال تعليق