العبرة والواجب جراء العلم بزلزال تركيا والشام خطبة الجمعة 19 / 7/ 1444
وبعد عباد الله فيقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا
تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ
حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ
شَدِيدٞ () وَمِنَ ٱلنَّاسِ
مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ
كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ
إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ"
ومن أحداث الدنيا ما يُذكّر بالآخرة فيكون
عبرة لأصحاب القلوب السليمة يغذّون بها إيمانهم وبمشاهدتها يدركون عظيم قدرة الله
فيحذرون الجدل الشيطاني ويراجعون أنفسهم استعدادا لما أمامهم.
عباد الله لقد قضى الله تعالى على عباده
بالابتلاء في خاص أمرهم وعامّه لحكمة بيّنه جلّ وعلا بقوله "وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ
شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ"
وبقوله جلّ شأنه "وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ
مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ
بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ"
وإن من الابتلاء ما يكون بالخير ومنه ما يكون بالمكروه "كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ"
فالكل مبتلى لأجل تمحيص القلوب وإقامة الحجة وتجديد الصلة بالخالق جلّ وعلا، ومن الابتلاء ما يتطلب صبرا ولجوء ليكشف صدق الإيمان وقوته فيرفع الدرجات ويكفّر السيئات ويحلل رضا الله وحبه وهو الابتلاء المكروه، ومنه ما يتطلب صبرا وتوظيفا للابتلاء فيما يكشف صدق الإيمان وقوته وهذا هو الابتلاء بالمحبوب، والحساب عليه دقيق شديد ولا ترتفع الدرجات ولا يُنال حب الله مع هذا الابتلاء إلا بقول وعمل يظهران جليا في سلوك المبتلى، فالابتلاء نازل لا محالة والإيمان مكشوف لا محالة والصبر مطلوب في كل الأحوال، والسلوك تجاه الأحداث الخاصة والعامة يبين الصدق ويمحص القلوب، ويا شقاء أمرئ نزل به بلاء بخير أو بشر فجلب به لنفسه سُخطا وازداد به بُعدا.
"فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ
رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ وَأَمَّآ
إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ"
نزل بإخواننا في سوريا وتركيا ابتلاء
عظيم تزلزلت به القلوب قبل الأرض، به يتبين المؤمنين وبسببه سيتخذ الله من البعض
شهداء له جلّ جلاله على بقية الخلق، تزلزلت الأرض هناك وشاهدها آخرون في كل مكان، فمن
المسلمين من صدق إيمانه فثبت وازداد قربا ومنهم من تردد ففتن وازداد بعدا، كانت
ولا زالت الكارثة والفاجعة عظيمة وكانت الفتنة لمن شاهد أعظم ممن نزلت به المأساة،
طفق الناس يبحثون عن الأسباب والمسببات ودور هذه الجهات وتلك في المساعدات ونسوا ما
يجب عليهم تجاه إخوانهم، وكان الأولى العمل بما وجب على الفرد كي يتخذه الله شاهدا
وحجة.
لقد أمر الله تعالى ببذل المستطاع من المال والجهد والفكر ورتّب أولويات الناس في البر والإحسان وذلك في الأحوال المعتادة، أما إن كان ثمة فاجعة وكارثة ونازلة عامة خلاف المألوف فهنا تختلف الموازين وتتغير التوجيهات فيأتي الأمر بالإيثار والإطعام مع الحاجة، والدعم بكل مستطاع
"فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي
مَسۡغَبَةٖ يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ثُمَّ كَانَ
مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ" " وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ
وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ
فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ
وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ"
وإن ما حدث لإخواننا من كارثة وفاجعة لتقفز
بحاجتهم للدعم بالدعاء والدعم بالمال فوق كل حاجة لتكون لهم الأولوية في الاهتمام
والبذل. ويأتي في مقدمة احتياجهم الدعاء لهم بالهداية لأسباب الصبر والثبات وأسباب
تجاوز المحن والدعاء بإعانتهم على اتخاذ هذه الأسباب، ثم المشاركة في حملات الدعم
المادي لهم.
واتباعا للنهج الإسلامي وتأسيا بالنبي
الكريم عليه الصلاة والسلام حين نزول البلاء العام، فقد أمر خادم الحرمين الشريفين
وولي عهده -وفقهما الله ونفع بهما وبأعوانهما الإسلام والمسلمين- لتنظيم حملة
إغاثية عاجلة لإخواننا هناك، والمشاركة في هذه الحملة سهل ميسر لكل من أغاث الله
قلبه بحب الخير وإعانة المسلمين إذ لا يتطلب سوى هاتفك المحمول أو جهاز الصراف
الآلي ومبلغ يسير بما تجود به نفسك وتستطيعه، أما من مرض قلبه فستجده مختالا بإعراضه
فخورا بقوله السيء.
والتبرع المادي لدعم إخواننا هو فقط عبر منصة
ساهم التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة أو الحساب المصرفي المعلن للمركز، وأما
الدعم بالدعاء فحري بكل مسلم ألا ينساهم من دعوة تقرب إليهم رحمة ربهم وتقرب
الداعي إلى ربه أكثر. اللهم الطف بإخواننا المبتلين بالزلازل وثبت قلوبهم وأنزل
السكينة عليهم وامددهم بعونك وبجندك وسخر الخلق للتخفيف عنهم واجعل ما ابتليتهم به
سببا لهم وللمسلمين بالعود إليك عودا حميدا جميلا، وبارك اللهم لنا في القرآن
والسنة
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على خير الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فلقد ابتلى الله تعالى
عباده بما شاء من أقداره، وإنك إذا رأيت عامة المبتلين وجدتهم الضعفاء والبسطاء المنشغلون
بأنفسهم وبتدبير أمور معيشتهم وأسرهم، فهم أبعد الناس عن الفساد والظلم والله أعلم
بهم وهو أرحم بهم، فكن لهم عونا بالدعاء وبالتبرع واحذر أن تكون أنت ابتلاء إضافي
لهم بكلمات تطلقها لا تلقي لها بالا أو تزعم بها أنك مدرك لما لم يدركه ولاة أمرنا
ولا عامة المسلمين، واعلم أنك بالصدقة وإن قلّت فإنما تدفع الشر عن نفسك، ولذا لما
كسفت الشمس وهي آية يُخوّف الله بها عباده أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالصلاة والصدقة لتطمئن نفوسهم وليُدفع عنهم من الأقدار ما يكرهون، وأي شيء تخافه والملائكة
تدعو لك كلما تصدقت، وأي شيء يمنعك عن الصدقة، والمتصدق ليستظل يوم القيامة بظل
صدقته، وما كان لك يوم القيامة فلابد لك من نصيب منه قبل مماتك، وإن لم تتأثر
بآثار هذا الزلزال العظيم الذي نجّاك الله فأي شيء سيؤثر في قلبك لتكون من المتقين
المتصدقين، فتصدق بما تيسر تأمن وتطمئن وتُظَلَلُ بظل الصدقة من كل ما تكره.
ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة
عليه بقول ربكم "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا
"
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك
ورسولك محمد نبينا وسيدنا وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
ارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن
التابعين إلى يوم الدين وارض عنّا ووالدينا وأحبابنا وأرضنا برحمتك يا أرحم
الراحمين.
أعز اللهم الإسلام والمسلمين ورد أهل
الشر بغيظهم لم ينالوا من عبادك الصالحين خيرا.
اللهم لطفك ورحمتك بإخواننا في تركيا
والشام حيث اجتمع عليهم من البلاء ما لا يخفى عليك سبحانك فالبرد والفقد والتشرد
والخوف وأنت أرحم الراحمين أنزل اللهم عليهم السكينة واجعلهم آمنين مطمئنين احفظ
عليهم دينهم وأعراضهم وهيء لهم من خلقك من يعيد لهم أمن ودفء الحياة يا رب
العالمين، اللهم واشكر لخادم الحرمين وولي عهده مبادرتهما لدعم إخواننا واجعلها ربنا
مبادرة متقبلة ترفع الدرجة لهما ولمن شارك وساهم فيها، واجعل اللهم هذه الكارثة
بردا وسلاما على من نجا وسببا في شهادة من قضيت برحيله واجعلها ماحية للشحناء بين
المسلمين وسببا لجمع كلمتهم وتآلف قلوبهم
آتنا اللهم في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار، نعوذ بك اللهم من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا
تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها ونعوذ بك ربنا من كل فتنة مضلة. واغفر اللهم لنا
وللمسلمين أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق