التحذير من الغيبة ذاك الخلق الدنيء (حطبة الجمعة 27 / 6 / 1444 )
الحمد لله العلي العظيم الملك البر الرحيم، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير،
وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق وأظهر دينه على
الدين كله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما
كثيرا وبعد عباد الله فيوصيكم ربكم جلّ جلاله بقوله "وَٱتَّقُواْ
يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا
كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"
وبقوله سبحانه "وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ
فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ
أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ"
عباد الله لم يخلق الله تعالى الإنسان سدى ولذا فلم يتركه
هملا، اعتنى جلّ جلاله بكل ما فيه رعاية مصالح الخلق عامة والإنسان خاصة، فأرسل
الرسل وشرّع الشرائع التي تكفل سلامة عقيدة الناس وأمنِهم وعيشهم وسلامة أعراضهم، كي
تستقر حياتهم وتستمر عمارتهم للأرض وينمو استخلاف بعضهم البعض. وهذا ما يقاتل
الشيطان لمنع حدوثه حيث أخذ على نفسه عهداً أمام الخالق جلّ وعلا بأن يستهدف الإنسان
فيدمر حياته بكل أمر يتيسر له عظُم لدى الإنسان أو دقّ.
وإن مما يتيسر له وهو أهون عليه ما أخبر به النبي صلى الله
عليه وسلم بقوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ
فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» مسلم.
وأبرز سبل هذا التحريش تحسين النظر لما لدى الآخرين ثم الحكم
على جدارتهم بهذا المتوفر لديهم واستحقاقهم له من عدمه، والحكم كذلك على حسن
استخدامهم له من عدمه، بالرغم من عدم صلتهم بما لدى ذاك الآخر وعدم استفادتهم منه.
هذا التطلع ومن ثم الحكم مبعثه سوء خلق النفس ورداءة صلتها
بالله تعالى، ليتخذ الشيطان هذه النفس وما تخلقت به من أخلاق خبيثة ليغذيها بالحسد
والكراهية للغير وللخير، ومن ثم تسليطها بخبثها على الآخرين، لتحارب نيابة عن
الشيطان فضل الله على غيرها، وأبسط ما تحارب به النفس الخبيثة فضل الله لسانها
الخبيث الذي إن لم يُحفظ ويُقيد أهلك صاحبه وآذى غيره، وإن أخطر داء لهذا اللسان
هو داء الغيبة والنميمة، الداء الذي يتواطئ عليه القلب مع اللسان في علامة لخبثهما
عياذا بالله تعالى.
والغيبة خُلقٌ لليقين بدناءته فإن أول من يرفض الاتصاف به هو
صاحبه الذي لا يتركه، يرفض ان يوصف به ويوجد لنفسه ما يوهم به نفسه بأنه حديث عادي
وليس بغيبة ولا نميمة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ
أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا
تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» مسلم.
فكل ما تتلفظ به عن الآخرين فهو غيبة ما لم يكن أحد ثلاثة
أمور:
·
حديث عن ذي بلاء ما وتحذر من تخاف عليه منه أو من استشارك
بشأنه.
·
حديث عن فاسق يجاهر بفسقه ويفاخر به، فتنفر منه.
· حديث بشكوى لمظلمة أوقعها عليك تتحدث
بها لمن بيده معالجة تلك المظلمة.
الغيبة إنما هي استكثار لفضل الله وحسد باعثه سوء الخلق وخبث
الطبع وعدم الخوف من الله وتناسي عِلمه واطّلاعه وتناسي الملائكة الحفظة الذين لا
يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها.
عباد الله لأن الغيبة من كبائر الذنوب وخوفا عليكم منها فقد حذّركم
الله تعالى من الغيبة بقوله تعالى:
" يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ" وبقوله سبحانه "وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسُۡٔولٗا"
ورحمة بكم وخوفا على ترابطكم وعلى حسناتكم أكثر نبيكم وحبيبكم من التحذير من هذا
الخُلق الدنيء وأمر بحفظ اللسان من الانفلات فيما لا يُرضي الله من القول فقال
عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ،
وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» مسلم
وقال «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ
لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا،
وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا،
فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ
حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ
فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» مسلم. وعنه صلى الله عليه وسلم: "وإنَّ العبْدَ ليتَكلَّمُ
بالكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ الله، لا يُلْقي لَها بالاً يَهْوي بِها في جَهَنَّم"
وفي حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى
مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» متفق عليه.
فلنجاهد أنفسنا عباد الله في حفظ ألسنتنا فما
أحوجنا للاعتناء بأنفسنا والاكتفاء بحاجتها من سمو في العبادة والخُلق عن حاجتها للتطفل
وللتسلط على خلق الله مما لم يكلفنا الله تعالى بمعالجته، ولنعطّر أفئدتنا ولنرطب
ألسنتنا بذكر الله، هذا وإن في الاستغفار لتربية للنفس على حسن الخلق والترفع عن
الانشغال بالناس وما تفضل الله به عليهم، فأكثروا الاستغفار دوما وبالأخص هذه
اللحظة فهي لحظة مباركة.
الحمد لله حمدا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى
آله وصحبه والتابعين. وبعد عباد الله يقول عليه الصلاة والسلام: وَمَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
فالسكوت غالبا لا ندم بسببه بعكس الحديث فواجب الحذر منه والله تعالى يقول "مَّا يَلۡفِظُ
مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ".
وإن مما يحفظ للإنسان لسانه البعد عن مجالسة أهل الغيبة
والنميمة فهم جند الشيطان ومجالستهم مجالسة للشياطين والسماع لهم إعانة لهم على
شرهم ومشاركة لهم في إثمهم ولو كان مجرد استماع لهم، ومن ابتلي بالسماع ولم يدفع الغيبة
فقد ارتكب جنايتين استماع لغيبة وخذلان لمسلم.
وفي هذا
السياق يحسن التحذير من جناية يرتكبها الكثير وهي أنه يشارك في الغيبة ويتلذذ بها
ويضحك من صاحبه بسببها ثم إذا واجهه أخبره بأنهم اغتابوه وضحكوا ويطلب منه التحلل
من تلك الغيبة فهنا ارتكب همزا ولمزا، اغتاب في ذاك المجلس وخذل صاحبه ولم يدفع
تلك الغيبة وواجهه بوقاحة عن إساءتهم تلك، وفي هذا قال تعالى "وَيۡلٞ لِّكُلِّ
هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ" كما نقل
ذلك بعض المفسرين، ولا أرى أن لفظا عابرا بالمسامحة يمحو تلك الإساءة والله أعلم
وأرحم.
ولنتذكر جميعا قول نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي فِي الْآخِرَةِ أَحَاسِنُكُمْ
أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي فِي الْآخِرَةِ
أَسْوَؤُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ الثَّرْثَارُونَ»
ثم صلوا وسلموا على نبي أحبكم وتمنى رؤيتكم وهو في شوق للقياكم،
تخلقوا بأخلاقه لتفرحوا بلقائه ولتفوزوا بخيرات الدنيا والآخرة.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا
وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
ارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن التابعين إلى يوم الدين
وارض عنّا ووالدينا وأحبابنا وأرضنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
أعز اللهم الإسلام والمسلمين ورد أهل الشر بغيظهم لم ينالوا من
عبادك الصالحين خيرا.
وفق اللهم إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده لما تحب
وترضى واجعلهما هداة مهتدين وسببا في عز الإسلام ورخاء المسلمين.
آتنا اللهم في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأكرمنا
اللهم بطهارة قلوبنا وبحفظ ألسنتنا وسائر جوارحنا وبحسن خُلق يعلي درجاتنا.
أعذنا اللهم وأحبتنا من كل فتنة مضلة ومن كل ساع بغيبة ونميمة وأن
نشارك فيما لا يرضيك من قول أو عمل فأنت الولي الحميد وأنت العزيز الحكيم.
أحيينا اللهم في خير وتوفنا على خير واحشرنا إلى خير واجعل
عاقبة أمرنا خيرا، واجعلنا من خيرة عبادك الصالحين. اغفر اللهم لنا وللمسلمين أجمعين
عباد الله تذكروا أن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي
القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتذكرون، فاذكروا الله يذكركم
واشكروا له يشكر لكم ويزيدكم من فضله ما لا تحتسبون ومن حيث لا تحتسبون ولذكر الله
أكبر والله يعلم ما تصنعون.
تعليقات
إرسال تعليق