خطبة الجمعة ( الصلة بالله تعالى أجمل الصلات ) 20 / 6 / 1444

 الحمد لله الولي الحميد ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

وبعد عباد الله فيقول جلّ جلاله "يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ " ويقول سبحانه "وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ"

عباد الله أجمل العبادات وأجلّها عبادة الصِلة بحب وودّ، وأهم الصِلات وأعظمها وأجلها صلة المخلوق بخالقه، ولأن الخالق جلّ وعلا يحب من يصله فالصلة به سبحانه أولى بأن تؤدى بحب وعناية واهتمام، وهذه الصلوات المفروضة التي لا يُقبل تركها ولا تأخيرها عن وقتها هي أفضل أنواع الصلة بالله تعالى، وقد رتّب الله تعالى عليها من الفضل والأجر ما يُنبئ عن عظيم قدرها عنده سبحانه وعلى عظيم اهتمامه بها جلّ شأنه. وبطبيعة الحال فالنوافل تبعا للفرض.

وإن مما يُشعر المسلم بعظيم فضل هذه الصلاة أن يعلم ما يستحقه من ثوابٍ على مقدمات هذه الصلاة ومنه ما ورد في حديث عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» مسلم.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» مسلم.

وعَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا وُضُوءًا حَسَنًا ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ» مسلم.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ " مسلم.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ ثُمَّ يَأتِي الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاةَ فِيهِ، إِلا تَبَشْبَشَ اللهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ" أحمد وابن حبان وصححه الألباني والأرناؤوط

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» مسلم. وقد ثبت في أحاديث عدة أن الله تعالى يُقبل جلّ جلاله بوجهه على المصلي بمجرد دخوله في الصلاة يسمع المناجاة والدعاء ويُعلق على ما يقوله عبده كما في حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي.

ويقول عليه الصلاة والسلام: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» مسلم.

فإذا كانت هذه الصلة اليسيرة بالله العلي العظيم تعطيك كل هذا الفضل وجميع تلك المزايا فإن من الغبن أن تفرّط فيها، ومن الجهل أن تؤدي هذه الصلة كما أمر الله محاولا تفريغ قلبك فيها لله ثم تظن أن بعض حاجاتك ومتطلبات حياتك ستكون بعيدة عنك!  جاء في الحديث الصحيح عند الحاكم وأحمد وابن ماجة وصححه الذهبي والألباني وغيرهما عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ رِزْقًا، يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَبَاعَدْ مِنِّي فَأَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ شُغْلًا" وفي لفظٍ «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا، يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ». وقد مرّ في الحديث السابق في فضل الوضوء والصلاة قوله عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» مسلم.

عبد الله إذا اعتنيت بالصلاة كما أمرك ربك وطهرت قلبك وأعرضت عما لا يعنيك من شأن مجتمعك، فاعلم أنك فزت بكل مطلوب لك، وأنه أقرب إليك من شِراك نعليك؟ وإن اشتكيت حالك فراجع صلاتك.

فاعتن عبد الله بهذه الصلاة وسعك، وكن آمر لأهلك بها ما استطعت واصبر وصابر على هذه الصلاة، جاهد نفسك قبل أهلك، جاهد قلبك لا ينصرف منها فيحرمك إقبال ربك، ولن تستطيع حكمه ولكن لا تستلم لتهربه، جاهده وأعده كلما هرب بفكرك عن الصلاة، فمجاهدته في الصلاة من أعظم أنواع الجهاد.

جعلنا الله مقيمي الصلاة وذرياتنا وبارك لنا في الكتاب والسنة وجعلنا من أهلهما وغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين.

 

الحمدلله الولي الحميد ذي العرش المجيد الفعّال لما يريد، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وإمام الهدى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإنّ من أسباب الفوز بتلك الفضائل أن تؤمن بها أولا ثم تعيش الحدث الذي يحدث أثناءها، فتتوضأ وتستشعر تحاط الخطايا، وتمشي للمسجد فتستشعر متابعة الله جلّ جلاله لك وأن الملائكة تكتب لك، وتدخل المسجد فتستشعر الملائكة وهي تدعو لك وأن الله يرقبك، تقوم تصلي معتنيا بقلبك حينما تتلو وتسبح وتدعو فتستشعر قرب ربك منك واستماعه لك وسرعة قبوله لك ولما طلبت.

ولا يصح في هذا المقام إفساد هذا الشعور الإيماني الفرحُ بفضل الله بذكر العقوبات المعدة على التخلف والترك للجمعة والجماعات، فلنتخذ من هذا العلم بالفضل ومن هذا الشعور الفَرِحِ عزماً على التمسك بهذه الصلاة وبآدابها وبمحاولة تفريغ القلب أثناءها.

وإن من عظيم الفضائل في هذا الشتاء الوضوء مع برودة الجو عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» مسلم.

ومع شدة برودة الجو ومع فضل إسباغ الوضوء فإن الله تعالى أباح للمسلم المسح على الخفين لمدة أربع وعشرين ساعة من أول مسحة بعد الحدث، وهو سبحانه يحب أن تؤتى رخصه، فاحرص على الصلة بالله في كل الأوقات وفي كل الأحوال واعتن بالإحسان فيها ما استطعت، وترخص برخص الله وتفاءل بثواب الله جعلنا الله من الذاكرين له المسبحين بحمده الشاكرين له نعمائه وفضله.

تعليقات

  1. جزيت خيراً شيخنا الفاضل على هذه الخطبة الجامعة.

    ردحذف
  2. وإياك أخي الكريم سائلا الله تعالى خلوص النية والنفع للجميع بها

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل