وقلوبهم وجِلةٌ خطبة الجمعة 8 / 5 / 1444

 

الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وأنكم بحسب خفايا قلوبكم معاملون وبنواتج جوارحكم محاسبون، فإما مثابون النعيم بفضل الله وإما مخفف عنكم الجزاء برحمة الله، ولنستحضر قول الله تعالى

"هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"

وقوله سبحانه "وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا"

وقوله تعالى "يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ"

عباد الله عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَة: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} فَقُلْتُ: أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني وغيره.

لقد أخبرنا الله تعالى وحدثنا رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام عن سعة فضل الله ورحمته وعن سرعة قبوله جلّ جلاله للتائبين وعفوه عنهم، بل وفرحته جلّ شأنه بإقبال العباد إلى بيوته وإلى ما يحبه من صالح القول والعمل ويفرح بأوبتهم وتوبتهم وانطراحهم بين يديه يسألونه حاجتهم من العفو والمغفرة والرحمة والفضل، ولكن مقابل هذا كانت الرسائل الإلهية والنبوية تخبر بأن هذا الفضل هو فقط لمن لم يغتر بعمله ولم يسيء الظن في عظمة وملك وكبرياء وقدرة رب العزة والجلال جلّ شأنه، يقول تعالى "نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ"

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ" متفق عليه.

ويَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ فَقَدْ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ»

عباد الله يحب الله مِن عباده مَن صدق في الإيمان فعلم عِلم الله واطّلاعه وأيقن بلقائه وأدرك سِعة وسُرعة رحمة الله وفضله وأدرك أسباب غضبه وسخطه وشدة عقابه فقرن الخوف بالرجاء وأحسن الظن بالله وأساء الظن بنفسه وبعمله، فاجتهد في العمل واجتهد في تحسين قوله وعمله واختار أيسر العمل على نفسه وأحبه إلى ربه فاستدرج بذلك رحمة الله ومغفرته وفضله.

علم الله تعالى ضعف ابن آدم وغلبة نفسه الأمّارة بالسوء عليه، فرحمه فشرع له ما يجبر كسره ويصلح به خَلَلَه ويعالج به ضَعفه، وأسبغ سبحانه الفضل والرحمة على عبده فجعل ذلك بحسب وسعه وطاقته.

جعل سبحانه من المسارعة لعمل الخير سببا لكل خير وجعل من الاستغفار سببا لمحو الذنوب والخطايا واطفاء غضبه جلّ وعلا. يقول تعالى "أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"

فالذين يمدهم الله وسيمدهم بالخيرات هم أولئك الذين يسارعون إلى الخيرات، هم أولئك الذين تحمل قلوبهم الخشية من خالقهم والصدق في الصلة به حباً وتعظيماً وخوفاً ورجاءً، هم أولئك الذين أحسنوا الظن بربهم وأساءوه بأنفسهم فانتبهوا وسارعوا بعد كل عمل صالح عملوه لعمل آخر صالحا يقرّبهم إلى ربهم، أما من ساء عمله فمرد ذلك لسوء ظنه بربه حينما جهل أو تجاهل دقة وشمول علم ربه وشدة سطوته وسرعة عقابه صدّق وهمه بحسن عمله وباستحقاقه عظيم الثواب مع كثرة الخطأ وسوء الأدب، إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما اعتاده من توهم.

ومن المسارعة في الخيرات إحسانا للظن بالرب جلّ وعلا العمل وفق ما قال سبحانه وتعالى:

"وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا" وقوله جلّ شأنه "وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا"

ربنا ظلمنا أنفسنا وعلمنا أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت سبحانك فجئناك مستغفرين فاغفر لنا ولوالدينا ولأحبتنا وللمسلمين أجمعين.

الحمد لله بيده مقاليد السماوات والأرض، له الحمد كله وله الشكر كله وإليه يُرجع الأمر كله، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمرسلين سيدِنا ونبِيِنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين وبعد عباد الله فاتقوا الله واستدرجوا رحمات الله وفضائله بقلوبكم فطهروها وعالجوها أخضعوها، وأظهروا حسن الظن بالله في المسارعة للخيرات ما استطعتم، وأكثروا الاستغفار أسوة بنبيكم، واعلموا أن أصدق البر ما كان للأقربين سكنا ونسبا، وأصدق الدعاء ما كان ناتجا عن شدة الحاجة ولهفة القلب، وقد أصابنا القحط والجفاف وأصبحت الآبار غورا والأرض جدباء ولكن القلوب حية نضرة بالإيمان بربها، واثقة بوعده وبقرب رحمته وفرجه، القلوب تؤمن بأن ربها حيي كريم لن يردها وقد صدقت في دعائها، أحسن الظن رعاك الله في دعاء إخوانك وأسئ الظن بنفسك فادع بقلب حاضر نادم مؤمل، وأحسن الظن بربك فارقب تغير الحال إلى ما تحب وأفضل في كل ما شكوت منه ودعوت لأجله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل