الحب من الله والحب من المحبين يُكتشف ولا يُسمع خطبة الجمعة 6 / 6/ 1444
الحمد لله العلي العظيم البر
الرحيم الودود ذي العرش العظيم، خلق الإنسان وأحب منهم من بادله الحب، أشهد أن لا
إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وحبيبه وصفيه
وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا
وبعد عباد الله فيقول الله تبارك وتعالى
" يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ
ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ"
عباد الله تشتاق
النفوس دوما لتلك الكلمة الجميلة! كلمة أحبك. وأعظم الحب وأجلّه ما كان بين العبد
وربه! حيث الفقر والاحتياج والضعف وحيث الغنى المطلق والملك التام والعلو الذي لا
يُقرب.
في غزوة خيبر ولما
طال الحصار وملّ الناس قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لأعْطِيَنَّ هذه الرايَةَ
غداً رجلاً يَفْتَحُ اللهُ على يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحِبُّهُ اللهُ
ورسولُهُ"، فباتَ الناسُ يَدُوكُونَ ليلَتَهُم؛ أيُّهُم يُعْطَى؟ فـلمَّا
أصبَحَ الناسُ غَدَوْا على رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّهم يرجو أن
يُعْطَى فقالَ: "أينَ عليُّ بنُ أبي طالب؟ الحديث. البخاري.
ما هي مشاعرك لو
بالفعل قيلت لك هذه الجملة؟
تحب الله ورسوله
ويحبك الله، لا شك أنك تحب الله ورسوله، ولكن أتظن الله عزّ وجلّ يبادلك الحب؟
إن العاقل الواعي
يدرك الحب من الله والحب من الآخرين ولو لم تقل له هذه الكلمة المحبوبة أحبك، فالحب
إنما هو سبب ودافع لتقديم العطاء والخدمات المتيسرة بدون مقابل، ومن هنا تستطيع
معرفة حب الآخرين لك من عدمه.
وإن حب الله لك
ليتجلى فيما يهبك إياه مع غناه عنك ومع شديد فقرك واحتياجك إليه. يرعاك منذ صغرك،
تخطئ ولا يعاقبك، تُقصر ولا يبتعد عنك، تقترب فتلحظ أنه جلّ جلاله أقرب إليك مما
تتصور، يعالج خطأك وينقذك مما أوقعت فيه نفسك من حيث لا تحتسب، ينتقم لك ممن ظلمك بدون
أن يحوجك لصدام يزيد السوء بينكما ويعرضك لظلم أكبر.
ومن حب الله لك أن
يعينك على التمتع بما وهبك لا يحرمك منه وهو بين يديك، ولا يُعذبك بما تيسر لك بسبب
سوء تفكيرك، فيهديك لكيفية الاستفادة مما وهبك بكل متعة مباحة، بل من حبه سبحانه
لك أن اختارك لتكون ذا صلة معه وأعانك لتكون أقرب إليه من كثير هم في نفس ظروفك
وبيئتك. "وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ
ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ" اكتشف حب الله لك فيما يعينك عليه من
عمل صالح، جاء في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا
أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ» فلو أن
الله تعالى لم يحبك ولم يود سماع مناجاتك ودعائك لكنت في صلاة الجمعة والجماعة كمن
تأخر وكنت كمن تخلف، ولكن الله يحبك فحبب إليك ما أحب، وهداك لما اختار من دين
وهدى فانتبه احمد الله على حبه وهبته فلا تفرط فيهما فتكن من الخاسرين.
وصف الله تعالى
أحبابه بأوصاف عدة حاول أن تتمسك بأكثرها، وأهمها الصلة به سبحانه صلاة ودعاء
وذِكرا، وإحسانا للعباد كل ووسعه وما يسّر الله له ومكّنه منه، فإن أدركت حب الله
لك فكن كما يحبه سبحانه ومنك، كن مبادرا للتوبة مع كل خطأ وتقصير، وبعد كل غفلة وتأخر،
ومهما أحاطت بك التحديات والصعوبات فاصبر فإن الله يحب الصابرين ومعهم في كل ما
يعرض لهم وإن شعرت بإحباط ويأس فانتبه وجدد صلتك بالله فثمة خلل فيها.
كلما قرأت كتاب
الله تعالى فتأمل هذه الكلمة يحب ولا يحب فاعتن بما أحب الله من خُلقٍ وحاذر ما كرهه
الله ونبّه لعدم حبه له. وتخلق وسعك بصفات الله تعالى التي وعدك أن يعطيك من
آثارها في دنياك وأخراك كالرحمة والعطاء والإعانة والعفو والمغفرة والصفح والتجاوز،
فأحق الناس بها من قدمها لغيره من خلق الله الذين يحتاجونها حتى وإن كانت بهيمة أو
قطة سائبة، فكل ما تقدمه لعباد الله ستجد من الله مقابلا له مُعجلا ومُؤجلا سواء
أكان خيرا أم ضده؟
وإن عاجل بر الله
تعالى بك لتدركه بما تجده في قلبك من راحة وطمأنينة وانشراح. وقبل ذلك كله وبعده
وأثنائه الزم رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه في كل شأنك ما استطعت لذلك
سبيلا فثمة حب الله "قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي
يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم قال: فوَالَّذي نفْسي بيدهِ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ
إليه من والدهِ، وولدِه" البخاري. نسأل الله حبه وحب من يحبه وحب عمل يقربنا
إلى حبه واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه
إن هو الغفور الرحيم.
الحمد لله كما
ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه واشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي
وأسلم على خير خلق الله حبيب الله وخليله ومصطفاه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه
ومن والاه وبعد عباد الله وهكذا يكون الحب الحقيقي بين اثنين بدون الحاجة لسماع
كلمة أحبك التي قد يصعب على البعض قولها لعدم اعتياده عليها ولأجل أن يحذرها من كاذبي
المشاعر أصحاب السوء الذين يخادعون بها البسطاء. فالحب بين البشر طاقة تكشف نفسها
للعاقل، طاقة تدفع للاهتمام والعناية والرعاية قبل الطلب وبدون مقابل.
تفقد حب والديك لك
فيما تجده من اهتمام وعناية وخدمة رعاية حسب وسعهما، وتفقد حب زوجك لك من خلال ما
تجده من اهتمام وخدمة وعناية حسب الوسع والفكر، وتفقد حب أولادك لك من خلال ما
تجده من بر واحترام ولُطف وسمعٍ وطاعةٍ وتجنبٍ لما قد يكدّر خاطرك، وهكذا مع كل
أحد اكتشف الحب في السلوك ولا تنتظر سماع الحب.
واحذر لا تختبر
الحب من الله ولا من الخلق واعمل بالظاهر فالحب لا يُختبر.
ومع هذا فإن سماع
هذه الكلمة هو من أفضل أغذية الروح يقول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللهَ
إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا
فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ
فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ
السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ
عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ
فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ
يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ
الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ" متفق عليه، ويقول عليه الصلاة والسلام: إِذا أحبَّ
أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أنَّهُ يُحِبُّهُ"
فأسمعوا أحبتكم
حبكم ما وسعكم وإن صعب قولها فأظهروا من المشاعر ما يكشف لهم هذا الحب، وإن لم تسمعها
بأذنك فاكتشفها بعقلك في سلوك من حولك معك. وإن اكتشفت الحب المؤكد لك من الله واكتشفت
الحب من والديك واكتشفته من زوجك وولدك وصحبك، فارعه واعتن به وازدد كسبا منه.
نسأل الله حبه وحب من يحبه وحب عمل يقربنا إلى
حبه.
ثم صلوا وسلموا على الحبيب المجتبى والنبي المصطفى الذي أحبكم وتمنى رؤيتكم وسيكون عند حوضه يستقبلكم إن حفظتم سنته وأكثرتم الصلاة عليه وبالأخص يوم الجمعة فالله يبلغ سلامكم لحبيبه وحبيبكم محمد.
تعليقات
إرسال تعليق