النزاهة ومحاربة الفساد الجمعة 15 / 5 /1444
الحمد لله العزيز
الحكيم الرزاق ذو القوة المتين، والشكر له سبحانه على فضله وقَدَرهِ تدبيره وحِكمةً
ضمّنها كل قَدَرٍ وشأنه يُنزِله بخلقه، وأشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله
وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما
كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وارقبوا خالقا عليما، واحذروا ملائكة كراما كتبة
وحفظة لكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يقول الله تعالى "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ
إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ
هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ
ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ"
عباد الله لقد وعد
جلّ وعلا الثواب الجزيل لمن عظّم ما عظّمه جلّ جلاله، وشدد الوعيد على من فرّط
وتهاون بوعد الله ووعيده، ومما عظّمه الله وشدّد في الوعيد عليه المال العام،
إيرادات الدولة وأملاكها وأوجه الصرف منها، ولم يأذن الله عزّ وجلّ لأحد أن يأخذ
شيئا من المال العام بغير حق، وجعل للإمام حق تصريفه على مصالح الناس وفق آلية تضمن
ألا ينال منها أحدٌ شيئا لا يستحقه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e:
إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَخَازِنٌ وَاللَّهُ يُعْطِي" البخاري.
ولهذا كان أهل
الصفة في المدينة لا يملكون سكنا ولا مصدر للدخل إلا ما تيسر من صدقة، ولم يُعلم
عن أحدهم أنه تذمر ولا أنه عمد للتحايل لأجل محرم، بل علِموا فسمعوا وأطاعوا وسعوا
على أنفسهم فكانوا مضرب المثل في صدق التوكل والسعي وفي صدق النزاهة والأمانة،
وكانت حالهم خير مثال لمن حاذر الفساد وطلب الفرج بالتقوى وعزة النفس.
حرم سبحانه الأخذ
من إيرادات الدولة وأملاكها بغير حق ولو كثر الآخذون بغير حق، يَقُولُ e: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ
حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري.
عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ e
إِلَى خَيْبَرَ، فَقَامَ رجلٌ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ
حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ e: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ
لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ
تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ» قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ
شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ e: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» مسلم.
وعَنْ عَدِيِّ
بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ،
فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتُكَ
تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ
مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ
أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» مسلم.
قد يتيسر لأحد ما
الوصول للمال العام فيأخذ ما لا يستحق، وقد يرى بساطة الأمر وهونه إلا أنه عند
الله عظيما، يقول صلى الله عليه وسلم: "يا كعب بن عجرةَ! إنَّه لا يدخلُ
الجنَّة لَحمٌ ودمٌ نَبَتا على سُحْتٍ؛ النارُ أوْلى بِه، يا كعب بن عجرة! الناسُ
غادِيان، فغادٍ في فكَاكِ نفْسِه فمُعْتِقُها، وغادٍ موِبقُها". الترمذي، وابن حبان وصححه الألباني
اقنع بالحلال
وأقنع نفسك به وألزمه فثمة بركة تحوطه وإن قلّ، وثمة محق للمحرم ولو كثر وتيسر،
وكم من عاقبة للمحرم نزلت عللا وبلاء وتفرقا واختلافا لتكون لصاحبها حسرة قبل حسرات
ما بعد الموت، ثق أن رحمة الله قد جعلت مع كل قَدَرٍ حكمة ورحمة فاهنأ بما أنت فيه
ولا تفسده بتسخط ولا بجرأة على محرم، تفقد نعم الله عليك وتفقد آثارا لله عليك جميلة
أعماك عنك التذمر والتطلع لما لم يُقسم، فاحمد واشكر المولى واعتن بالحلال واحذر
الحرام وستجد حياة دنيوية يفتقدها كثير ممن حولك، وستجد أن الابتلاء قد صار رحمة
ونعمة، وستجد لك دعوة لا تُرد. نسأل الله الإعانة على أداء الأمانة والوقاية من كل
فتنة مضلة كما اسأله لي ولكم مغفرة تمحو الذنب كله دِقه وجِله.
الحمد لله يعطي
فضلا وقد يعطي استدراجا ويَحَرِمُ عقوبة وقد يَحرِمُ رحمة وحكمة والصلاة والسلام
على المبعوث رحمة وقدوة وبشرى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
عباد الله.
فإن شر البلاء
ينزل بأمة ما هو الفساد في المال العام ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المساهمة في محاربة هذا الفساد فمن عَلِمَ عِلَم يقين بوجود فساد في جهة ما فواجب
عليه المسارعة لإبلاغ الجهات المعنية إبراء لذمته ونصرة لأمته، وبحمد الله فقد
تيسر هذا الأمر وبأمن تام للمبلغ، فلنكن عونا لدولتنا على مكافحة هذا الفساد وعلى
رعاية مستقبل أجيالنا بحفاظنا على المال العام. ولنحذر نقل تهمٍ وشكوكٍ نشارك فيها
الكاذب إثمه ونوهم بحديثنا كثرة السراق فيستعين بما ننقل السراق ليجروا الأمناء
لفسادهم. حفظ الله البلاد والعباد
تعليقات
إرسال تعليق