خطبة الجمعة بعنوان ( التحذير من التساهل في الطلاق وأهمية معالجة المواقف العارضة ) 24 / 4/ 1444

 

الحمد لله الولي الحميد، البر الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبيٌ كريمٌ بأمته رؤوفٌ رحيمٌ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين يهديهم إن ضلت السبل بغيرهم، ويؤمّنهم إن خاف من حولهم، ويعينهم إن تخاذل الناس عنهم، فاتقوا الله تفوزوا بالفلاح في الدنيا والآخرة.

عباد الله تفضل الله تعالى على الخلق بالإيجاد ثم تفضل عليهم بأسباب البقاء في أفضل حال، وزادهم في الفضل أن بيّن لهم كيف يحافظون على الحال الأفضل وتنميته والاستزادة منه. وإن من أهم أسباب البقاء في حال أفضل وجود أسرة تعيش حال جيدة من الألفة والود. حثّ جلّ وعلا على تكوين الأسرة ووعد طرفيها العون فقال سبحانه "وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ" ووعدهما الغِنى فقال تعالى "وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ"  وفي الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيلِ الله، والمكاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ} الترمذي والحاكم وابن حبان.

وما ظنك بأسرة هذا وعد الله لها كيف سيكون حالها؟ أيقلق أحدهم على مستقبلهم والله تعالى هو واعدهم؟ ومن أصدق من الله قيلا؟

إن الأسرة الصالحة المستقرة هي ثمرة لوجود المرأة الصالحة يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» مسلم. ولكن من النادرِ وجود امرأةٍ صالحةٍ قادرةٍ على إصلاح الحياةِ لأسرتها مع وجود زوجٍ لا يُعينها، فوجود الزوجين معا يشتركان في الصلاح وفي الهمّ والقصد سيجعل من الأسرة قرة عين لبعضها.

عباد الله إن من الجرم في حق النفس وحق الأسرة، ومن الكفر بنعمة الله بهذه الوعود أن يستسلم أحد الزوجين لوهم وخداع بحياة أفضل فيفسد نعمة الله عليه، ويتسبب في خراب أسرته وتشتت أولاده، لقد جعل الله لكل شيء سببا وقدرا، وإن من شكر نعمة الله ومن جميل الاستمتاع بالحياة أن تنطلق في حياتك من حيث ما سخر الله لك وأن تستمتع بالموجود مع السعي للأفضل.

لقد ابُتلي الناس في هذا الزمان عباد الله بعقول مادية لأزواج ولزوجات، عقول مادية لا ترقب في الشريك عشرة ولا ألفة، عقول تهتم بمتعتها فقط غير مبالية بشريكها، ولفقد العقل الراشد تنشأ عامة الخلافات بين الشريكين، وللجهل يكن الانفصال أقرب الحلول.

إن من تعظيم الله تعالى للحياة الزوجية أن جعل الطلاق بيد الرجل إذ المفترض أنه أكثر تعقلا وأقل اندفاعا وأبعد عن التوتر والتهور، وكذلك تعظيما منه جلّ جلاله وعناية بالحياة الزوجية فإنه سبحانه لم يأذن بهدم سريع للحياة الزوجية فأوجب على الزوجين منح بعضهما فرصة التراجع ودراسة القرار مرة أخرى بالبقاء في البيت كما كانا قبل الطلاق "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا" فحتى مع الطلاق الرجعي يبقى الزوجان زوجان كما كانا.

عباد الله يقول تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" عداوة الأسرة لربها أي كبيرها إنما هي في التسبب في ترك عبادة أيا كانت وهنا يحث تعالى على العفو والمغفرة وتناسي ذلك السعي السيء منهم، فما بالك بأهمية العفو والمغفرة إن كانت العداوة بما هو معتاد ومتوقع من المطالبة بما يصعب تأمينه، فإنما تُبنى الحياة وتستقر بودٍ وتراحمٍ يحمل على التغاضي عن الخطأ ويدفع لتحمل بعض النزوات والطلبات، بودٍ وتراحمٍ يجلب شكرَ الموجودِ وإعذارَ الشريكِ عن المفقود وعدم تصديق بهرجة مرضى القلوب ممن وصل أذاهم إلى داخل البيوت. وإن مما يعين المرء على إصلاح أسرته والتمتع بها هو في الاحتساب لكل ما يقدمه ولذا علينا أن نتذكر قول نبينا وحبيبنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» مسلم. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ» ابن حبان وأبو داود وصححه الألباني. فإنك إن احتسبت ما أنفقت هان عليك ما دفعت وتيسر لك العوض وكان لك به الأجر.  

 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله وكونوا عونا لبعضكم على استقرار الحياة والتمتع بها فإن نسب الطلاق المعلنة مروّعة وتنبئ عن جهل بأسباب ومقادير الحياة وتنبئ عن عزلة من المتزوجين عن عقلاء أسرتهم، وعزلة عن الجهات الخيرية المعنية بمعالجة الخلافات الأسرية كجمعية سعداء بالمجمعة، ينبغي القرب من الأبناء المتزوجين وتصحيح مفاهيمهم في الحياة مع الحذر البالغ من التطفل على نمط حياتهم. أسعفوهم بالمشورة والرأي والمناصحة وإن أظهروا فهما وعلما، فالعلاقات البشرية لا تكتسب من خلال القراءة فقط، ولو أن كل اسرة خاضت تجاربها لوحدها لضلت شقية بتجاربها وآذنت بسرعة تفككها ولكن خبرات السابقين من المحبين تختصر الكثير لصناعة حياة رائعة ماتعة سعيدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل