طبة الجمعة بعنوان ( جريمة إفساد الألفة وفضل الإصلاح ) الجمعة 17 / 4 / 1444
الحمد لله العزيز الحكيم، الولي الحميد، البر الرحيم، أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى
"فَاتَّقُوا
اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"
عباد الله خلق الله تعالى الأرض وما عليها
وما فيها وقدّر فيها أقواتها، وجعل لكل شيء سببا ولكل شيء قدرا، وكلٌ قسم له ربه رزقا
يتمناه غيره علم رزقه أو جهله، ولأن الرزق المادي في الدنيا مقدّر ومحدود والشح مُركّب
في النفوس فإن الأنفس التي لا يحكمها إيمان بخالقها ستتوق لما صُرف عنها مما يتمتع
به غيرها وستتصارع فيما بينها للحصول على ما لم يقدّر أملا في حيازة نصيب أكبر أو
رجاء المساواة مع الفائز بإفساد نعمة الله عليه، وفي هذا يقول عليه الصلاة
والسلام: «أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ
أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا
عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا،
وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» مسلم.
والمراد بسط أسباب الكسب السهل فيتنافس من
لم يحكمه الإيمان فيها فيُسقطوا أخلاقهم وقيمهم ويُفسدوا الحياة على غيرهم، وحينها
تنشئ الصراعات ويهلك الناس، وهذه بغية الشيطان عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي
التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» مسلم.
فإن حرّش بينهم واستجابوا ظهرت الضغائن وتفرقوا
وضاعت مصالحهم فهلكوا بهلاك قيمهم وأخلاقهم وهلكوا بإفساد الحياة على بعضهم البعض،
وأعظم نعمة ألفة القلوب وتصالحها وتفاهمها وأعظم جرم هو إفساد هذه النعمة.
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى
الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً
أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا،
فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا
تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ
مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ فَيَلْتَزِمُهُ» مسلم.
يلتزمه لأنه أفسد علاقة ودّ وتفاهم وهو
إفساد يتبعه ضياع مصالح جمّة بضياعها فرحة إبليس الرجيم.
تأمل مشاهير برامج التواصل كيف يفسدون
الحياة على البسطاء أملا في كسب مادي حقير، تأمل ذاك الذي يرى اثنين صاحبين أو
زوجين أو عامل وصاحب عمل متفاهمين متصالحين فلا يهنأ باله حتى يُفسد بينهما بحجة
نصرة الضعيف منهما، ماذا عمل لك؟ لماذا لم يعمل كذا؟ كان يمكنه أن يعمل كذا! ماذا
أعطاك؟ وكم أعطاك؟ وكان يجب أن يعطيك! حتى يُفسد القلوب على بعضها وتنشئ الفرقة
ويخسر الاثنان بعضهما فتهنأ نفسه المريضة وتثقل سجلاته بالغيبة والنميمة والبهتان وبالمنزلة
الأقرب عند إبليس، ولو كان قاصدا الخير والإصلاح لقدم معلومة نافعة ومناصحة للمخطئ
أو سكت ودعا لهما، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ» مسلم.
ومثل هذا أيا كان مظهره وسِنه وجنسه إنما هو
شيطان يتحرك بين الناس رضي بالوكالة عن إبليس جاهلا أو متجاهلا أن من توكل عنه في
شيء من عمله صحبه حيث قضى الله عليه به "أَمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ". ولما في هذا الصنيع
من جرم اجتماعي خطير فإن الذي يقوم بإفساد هذا العمل الشيطاني فيصلح بين الناس
ويردم الخلافات ويقرّب وجهات النظر هو من خير الناس وهو في خير يعمل يعمله الناس. قال
تعالى "لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا" وفي الحديث
قوله عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحاح: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ
مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ
اللهِ قَالَ: "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ" ويقول عليه الصلاة والسلام: مَا
عَمِلَ ابْنُ آدَمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الصَلَاةِ وَصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَخُلُقٍ
حَسَنٍ".
بمعنى كل عمل تُفسد به عمل الشيطان فأنت في
قربة أفضل من التطوع بصلاة أو بصدقة أو بصيام.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق
للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر
على يديه.
جعلنا الله هداة مهتدين مفاتيح للخير مغاليق
للشر وسببا لدحر الشيطان وجنده ما حيينا. واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه
يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله العلي العظيم غافر الذنب وقابل
التوب اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن
عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فيقول الله "فَاتَّقُوا
اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا
لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنْ
تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ" أصدق علامات
وقاية النفس من الشح هو القرض الحسن وهو خدمة مجانية تقدمها لغيرك سواء بمال أو بكلام
أو بفعل، خدمة بها تُفرّج عنه ما أهمّه، ومن القرض الحسن كلمة حسنة للإصلاح بين
المختلفين والمتخاصمين تُقَرّب بها وجهات النظر وتزال من خلالها الأفكار السيئة
المسببة للخلاف، والبخيل من بخل بالكلمة الحسنة. وحري بكل مسلم أن يجعل من همّه
وتفكيره الإصلاح لأنفس من حوله، وأن يكون مفتاح خير مغلاق شر، فالإصلاح أمر الله
"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" وهذا خُلق
رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الإصلاح وعد الله بالرحمة" إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"
تعليقات
إرسال تعليق