تذكرة ببر من لم يخلق الله لك مثله الوالدين
الحمد لله الولي الحميد، الملك البر الرحيم،
أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله،
النبي المصطفى والحبيب المجتبى سيد ولد آدم أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فلنتق لله ولنكن عونا لبعضنا على تقوى
الله ولنتأمل قول الله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ
الْقَدِيرُ"
عبد الله في كل مراحل حياتك سواء الضعف الأول
أو الأخير أو مرحلة القوة المؤقتة، في كل مرحلة أنت مُعلّق بغيرك ولا غنى لك عمن
يخدمك!
ولعلم الله تعالى بضعفك وحاجتك لغيرك فإن
الله تعالى قد خلق لك إنسانا لا أحدا يهتم بك مثله، ولا أحد يعتني بك مثله، ولا
أحد يرقب نموك وحياتك بسرور وقلق مثله، ولا أحد يستهين بماله وبجهده وبرأيه لأجلك
مثله، إنسان لا أحد يرى نفسه إلا عاملا لخدمتك مثله، إنسان إن أغضبته لم يطلب منك
اعتذارا ويمحو خطأك عنده أن تعود إليه وادّا متلطفا! إنه من فُطِر قلبه على حبك وحب
صلاحك وفلاحك في كل مراحل حياتك، غضبه عليك لأجلك، عنفه معك حبا لك وخوفا عليك، يغض
الطرف عن خطأك كأن لم يره خشية عليك وأملا بوعيك، فحبه لك حب صادق لا تشوبه شائبة
مصلحة عابرة، إنه ذاك الوالد الأم والأب.
ولِما فطر الله تعالى قلبيهما عليه تجاهك حتى
كانت تلك المشاعر منهما فطرة وجِبلة وليست اختيارا فقد أعظم الله شأنهما وقرن
حقهما بحقه جلّ وعلا، فهو سبحانه من حملهما على ذلك وحمّلهما أمانة ذلك وهو جلّ
جلاله من كافأهما على ما حمّلهما فاحذر حرمانهما من مكافأة الله لهما، يقول تعالى "وَاعْبُدُوا
اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " "وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ
فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ"
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ:
«بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي
سَبِيلِ اللهِ» مسلم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ،
ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ
أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ
الْجَنَّةَ» مسلم.
قضى جلّ جلاله للوالدين حقا وأمر الأولاد
وأوصاهم بهذا الحق، أداء له ورعاية له وعناية به وخوفا عليه، إذ هو حق عظيم لإنسان
هو عليك عظيم، إنه الوالد الأب والأم بلغ من عناية الله بهما أن أمر ببرهما
والإحسان إليهما حتى ولو كانا عدوين له جلّ جلاله! ذاك لأنهما والدان وللوالدين
مكانة عند الله تعالى "وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا
فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"
وفي قول الله عزّ وجلّ "وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا
جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي
صَغِيرًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ
فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا "
هنا توجيه رباني لتعامل راقي مع أهم إنسان
في هذه الحياة بالنسبة إليك.
وقضى ربك، ربك أنت فالخطاب لك وليس لعامة
الخلق، ألزمك سبحانه وأمرك أنت بعبادته وبالإحسان لوالديك، أمرٌ واحد من ربك لعملين
عظيمين اشتركا في الأمر تبيانا لدرجة الأهمية، عبادة خالصة لا يخالطها شرك، وإحسان
واجب عليك لوالديك في كل شيء، في قولك وفي عملك، في نظرك لهما وفي استماعك لهما وفي
استجابتك لطلبهما، في جلوسك عندهما وفي تناول الطعام والشراب معهما وفي استقبال
ضيوفهما وفي كل الشأن لا تنفذ فقط، بل أحسن التنفيذ لأجلهما، حينما يكبرا يتأكد
الأمر ببرهما فلماذا؟ ألأجل أنهما ضعفا واحتاجا؟ نعم وهذا بيّن واضح، ولكن هناك
أمر آخر مهم جدا، فإنهما لما كبرا هدأ عندهما ذاك الاندفاع وتغيرت نظرتهما للحياة،
وصارت صناعة ابتسامتهما وزراعة البهجة في حياتهما أسهل عليك، فأسباب الاجتماع
والودّ قويت وسهلت وأسباب النفرة منهما تكاد تكون مفقودة، والنفرة منهما وهما في
حالتهما هذه مؤذية لهما إيذاء سيجعلك تندم كثيرا. وأما إن حظيت بوالد هادئ الطباع
كثير الابتسام غاضّ الطرف عن كثير من الخطأ ولم يبلغ المشيب بعدُ فإنك في نعمة
عظمى وعليك حقوق كبرى.
بأمر الله لك أحسن لوالديك، وتحذيرا لك من
الله احذر كلمة أو نظرة يستشفان منها أنك كاره لما طلبا، فإن حدث منك ما يدركان به
انزعاجك منهما فسينزل بك ما يزعجك أكثر ويكون بك ذا ألم أعظم، إذ الله هو من
كافأهما وهو سبحانه من قضى لهما بهذا الحق فكن على حذر.
وأما إن مات أحدهما أو كليهما فإن الحق يكون
قد عظُم والإحسان صار أكثر وجوبا إذ لن يصلك منهما ما يكدّر خاطرك، وقد اقتصر
مددهما بالحسنات عليك ما لم يكن ثمة وقف ينافسك في ذلك، نافس نفسك في برهما فعمرك
قصير ولحاقك بهما سريع ونسيانكم جميعا لن يتأخر كثيرا! من لم يكن له وصية من
الأجداد كم منّا من يذكره؟ لن تلبث طويلا حتى تُنسى كما نُسي! " وَكَمْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ
تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا"
فتدارك والديك سواء أكانا على قيد الحياة أم
سبقاك للبرزخ.
أتشعر بشيء من الألم تجاه ما مضى منك نحو
والديك؟ لا تقلق ولا تفرط، يقول جلّ وعلا "رَبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا " فإن صدقت مشاعرك تجاه واجبك نحوهما فبادر بمعالجة الخلل وإصلاح
قلبك وعملك تجاههما فإن الله تعالى للأوابين غفورا.
بِرَ والديك وذريتهما ووالديهما وأسرتك
الصغيرة الحي منهم والميت بالإحسان لكل منهما بما يناسبه، وتخيل متفائلا قول الله
تعالى "لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ
الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي
الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ
الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ
يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ
صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ
مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ
عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ
عُقْبَى الدَّارِ" بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة وفي الشأن كله وأعاننا على تدارك
ما بقي من أعمارنا وغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم وأزواجنا وأحبتنا ووهبنا
السرور والحبور ومنّ علينا بالاجتماع في جنات النعيم وغفر للمسلمين والمسلمات
الأحياء منهم والأموات.
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين محمد بن عبد
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فأعظم البر الشكر، فبه أمر الله
تعالى العباد، نشكر الله ونشكر والدينا، ومن أعظم البر في حياتهما وبعد مماتهما
الدعاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم: إِنَّ اللهَ عز وجل لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي
الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ
وَلَدِكَ لَكَ" ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني.
في كل صلاة مفروضة أو نافلة حدد سجدات تخص
بها والداك بدعوة فهاهنا أعظم مواضع الإجابة، والبخل بالدعاء والعجز عنه علامة على
فقر دين وخلق أعاذك الله منهما، وأشركهما في كل صدقة وخصّهما بصدقة، بر بالإحسان في
شأنك معهما دوما، وبر بالإحسان في تحسين شأنك الذي تقر به أعينهما، فمهما عملت لن
تفيهما بعض حقهما، ولكن الله الكريم يجزل الثواب والمكافأة لكل من عمل، وأعظم ما
تقدمه لهما سرور تدخله على قلبيهما.
تذكّر جميل الأحداث وتخيل صدق المشاعر ولا
تستنهض الذكريات المؤلمة وبادر عمرك ووقتك فأد أعظم حق عليك بعد عبادة ربك. "وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا
وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ"
واعلموا عباد الله أن الله إذا أراد تبيان عظمة أمر ما ربط بين حقه سبحانه وحق من عظّمه فربط جلّ جلاله حق الوالدين بحقه سبحانه، وربط ذكر نبيه وحبيبه بذكره هو تبارك وتعالى، وأخبر جلّ جلاله قبل أن يأمركم بالصلاة على نبيه أنه هو وملائكته يصلون عليه وأنه يثيب المصلي على نبيه بعشر صلوات منه تبارك وتعالى، فصلوا على النبي محمد يصلي الله عليكم عشرا.
تعليقات
إرسال تعليق