الزكاة قرينة الصلاة خطبة الجمعة 11/ 3 /1444
الحمد لله الملك العلي الغني الكريم الرحمن الرحيم، أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ"
عباد الله في بيئة صحراوية قاحلة تعتمد بأمر
الله على موسم محدود في السنة قد يأتي فيه المطر وقد يتأخر، في مثل هذه البيئة يضرب
الله تعالى لأهلها مثلا فيقول سبحانه "وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ
أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۢ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فََٔاتَتۡ
أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا
تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ"
ما أجمل مناظر الجنان التي لا تنقطع عنها
المياه ولا يُفسد نعيمها عفن التربة وكثرة الحشرات! يضرب الله تعالى مثلا للصدقة إذا
اجتمع فيها صدق القصد ورجاء الثبات فإنها تجعل روح المتصدق تسرح في جنات من
الطمأنينة والأمل والمتعة الدائمة، كعلامة قبول لعمله وكأثر يسير عاجل لذلك العمل
الصالح قد لا يلاحظه إلا هو والقريب منه. بالصدقة عباد الله تهب رياح الجنة في
قلوب المتقين لتعمر صدورهم بكل جميل، وهل الجمال والمتعة في هذه الحياة إلا تبع
للقلب وما يحمله وما يتمتع به؟
أكد جلّ وعلا على أن ثبات القلب في الأزمات
وحين الفتن المضلة يكون بالصدقة الطيبة التي يراد بها وجه الله يقول جلّ في علاه
"أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٞ مِّن
نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ
وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ
فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ
لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ"
قَالَ عمر: آيَة من كتاب الله مَا وجدت أحدا
يشفيني عَنْهَا وذكر هذه الْآيَة قَالَ ابْن عَبَّاس: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
إِنِّي أجد فِي نَفسِي مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ عمر: فَلم تحقر نَفسك؟ فَقَالَ: يَا
أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا مثل ضربه الله فَقَالَ: أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يكون عمره
يعْمل بِعَمَل أهل الْخَيْر وَأهل السَّعَادَة حَتَّى إِذا كَبرت سنه واقترب أَجله
ورقَّ عظمه وَكَانَ أحْوج مَا يكون إِلَى أَن يخْتم عمله بِخَير، عمل بِعَمَل أهل
الشَّقَاء فأفسد عمله فأحرقه. أ. هـ
ولهذا أشار جلّ وعلا في الآية السابقة بقوله
"ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ
مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ" حين الفتن التي تُعرض على القلوب تشتد
حاجة المؤمن لما يعينه على الثبات على دين الله ولن تجد عونا لك على الثبات كالصلاة
والزكاة فرضا ونفلا، وإنما قرن الله بينهما في أوامره لأثرهما المشترك في صلاح
القلب وثباته.
يقول تعالى
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى" ويقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا
لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ
وَلَسۡتُم بَِٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ
وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ
خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ وَمَآ
أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ
يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ
فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ
لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَئَِّاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ
خَبِيرٞ"
إن للشيطان عباد الله طرقه لإفساد العمل ولضياع
الجهد وخيبة السعي، ومن آتاه الله حكمة وعِلماً يعلم سبل الشيطان فيحذرها، ولا
مفسد للعمل الصالح كالمنّ به من خلال الحديث أو التصوير ممتدحا نفسه ومتباهيا، أو
انتقاء أدنى الأموال مستوى ليتخلص من واجب الزكاة ونحو ذلك.
عباد الله في زماننا هذا كثر المتسولون وضيّعوا
على المتعففين حقهم وكثرت الشبه في وصول الصدقات لمستحقيها، ولكن بفضل الله فإن النفقة
إذا تحرى المنفق أهلها وصدقت نيته فلا يضره من أخذها. وإن مما أدركه الناس
بتجاربهم ومما أثبتته رؤى الصالحين أن هذه الصدقات لا تضيع وأن أثرها أعظم وأسرع
مما ظنه المتصدق، وأن من أهديت لهم من الأموات يشعرون بها ويفرحون بها، وقد نشأت
بحمد الله جمعيات رسمية تأخذ الصدقات وتتكفل بإيصالها وتقبل من الإنفاق أقله، فينفق
المسلم عبر هاتفه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه إن شاء، وأفضل العمل ما داوم
عليه صاحبه وإن قلّ وفي الحديث قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيْكَ" متفق
عليه.
الزكاة قرينة الصلاة وكلاهما صلة بالله
وواصلتان بالعبد لما يحب من رضا الله ومن الخير، ولكل منهما نوافله فاجمعوهما ونوافلهما
في قلوبكم وفي أفعالكم يجمع الله لكم كل خير. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله عبدالله
ورسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فمع انتهاء موسم زراعة النخيل
أذكّر بزكاة التمور فمن بلغ انتاجه 600 كجم فأكثر فعليه إخراج 5% من مجموع ثمره
زكاة له. وإن مما عرفه الناس وجربوه أن الصدقة سبب من أسباب الخير كافة، ومن الخير
المُرجى نزول الأمطار والبركة فيها فلعلنا عباد الله نستعد لموسم الخير بإنفاق
الخير، فربنا حيي كريم يبادل عباده التقرب ويبادر لقبول القربة الصادقة منهم ويحب سبحانه
أن يُنعم على عباده ويحب جلّ جلاله أن يرى أثر نعمائه على عباده، ومن سنته ورحمته
أن يعوّض عباده عمّا أنفقوا وأن يغيث عباده إذا طرقوا أبوابه وتقربوا إليه بما شرع
لهم فلا تبخلوا على أنفسكم ولا على مجتمعكم بخير أنعم الله به عليكم.
تعليقات
إرسال تعليق