خطبة الجمعة 20 / 2 /1444 بعنوان حفظ النفس وأهمية تعلم الإسعافات الأولية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الملك العلي العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله وعظّموا ما أمر الله به وما نهى عنه حتى تكن القلوب دافعا لصالح العمل وللوقاية من سيئه، وتابعوا بين التوبة والتوبة وألحقوا بالطاعة أخواتها حتى تلحقوا بالصالحين من عباد الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. عباد لله يقول الله تعالى
"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا"
أمانة كافة الجوانب والحاجات، فعبادة الله أمانة، وحفظ ورعاية النفس كذلك أمانة، والحفظ والرعاية للنفس تشمل الروح والجسد، فكلاهما عاريّة وكلاهما أمانة وكلاهما مسئول المرء عنه، وإن استقامة الروح لا تكتمل بدون سلامة الجسد، والوطن لا يقوى ولا ينهض إلا بصحة وقوة أجساد أهله، والجسد مخلوق ضعيف تُمرضه نسمة هواء ممتعة وتقعده علة صحية طارئة وتنقله للدار الآخرة أزمة صحية غير متوقعة، فضلا عما هو أكبر من ذلك من أعراض وأزمات وحوادث، ولذلك كان الجسد أمانة وكانت رعايته أمانة وكانت هذه الأمانة سببا للعذاب أو للمغفرة.
ولأجل هذا كان من أبرز الضروريات التي جاء الإسلام برعايتها حفظ النفس "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا"
لا تقتل أخاك بظلمه ولا تقتل نفسك بالتفريط في حقها أو بإعطائها ما لا يحل لها.
وجاء في الحديث الجامع الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وفي رواية: وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وفي رواية: مَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ. أهل السنن وصححه الألباني.
ففي سياق الرعاية الجسدية ليس للإنسان حق الخيار في التصرف والعبث والإهمال لجسده، بل هو مطالب برعاية جسده في كل الأحوال والعمل على وقايته ما استطاع لذلك سبيلا، وإن الإنسان الطبيعي لابد وأن يمرّ بأحوال ثلاثة:
الأولى الحالة الطبيعية وهي حالة السعة واليسر والعافية يجد من الأكل والشرب وأسباب الراحة ما يكفيه، فعليه انتقاء المباح من الطعام والشراب والاعتدال في ذلك بما يبني جسده ويحفظ له نشاطه ومهاراته فلا يُفرط ولا يُفرّط.
وهناك حالة نادرة تسمى حالة الاضطرار للبقاء على قيد الحياة فعليه أن يأخذ ما يحفظ له جسده ولو كان محرما من طعام وشراب وان يتداوى بما يقرره له الأطباء الثقات.
وهناك حالة أخرى بينهما هي حالة الحاجة التي يمكن مقاومتها ولكن بألم، كالإرهاق والأمراض العارضة المتيسر علاجها بأدوية ومسكنات، فلا يحق للإنسان إهمال نفسه لتفتك بجسده صغائر الأمراض باجتماعها وبتراكم آثارها، عليه أخذ ما يناسب من أدوية وأغذية ترفع الأذى وتعين على ممارسة المهام ما لم تسبب إدمانا أو غفلة عن مرض مزمن قد يتطور ليكون علة مقعدة. وفي كل الأحوال على الإنسان ان يتعلم فقها وطبا ما يكفيه لإنقاذ نفسه في الأزمات، علمٌ في الطب يسمونه الإسعاف الأولي وفي الفقه يسمى علم الضرورة، فالمتغيرات والمفاجآت كثيرة وتكررها أصبح واردا بصورة شبه يومية والإنسان مؤتمن على دينه وعلى بدنه فعليه أن يتعلم ما ينقذه إن تأزم.
حفظنا الله في كل أحوالنا وأصلح لنا كل شؤوننا وغفر لنا ما قدمنا
وما أخرنا وما اسررنا وما أعلنا وغفر لوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله
فغصة أثناء تناول الطعام أو انغلاق مفاجئ لمجرى التنفس باللسان في النوم أو اليقظة أو تخثر مفاجئ للدم يسبب جلطة مؤذية أو تعرض لحادث مروري يسبب مشكلة جسدية مستديمة، وغيرها كثير مما قد يتعرض له المرء من حيث لا يحتسب قد جعل الله تعالى بيد الإنسان إنقاذ نفسه والآخرين من حوله ممن يتعرضون لمثل ذلك بأمور سهلة بسيطة تعرف بالإسعافات الأولية، كيف تقي نفسك والآخرين وكيف تنقذ نفسك والآخرين، علم لا يستغني عنه الصغير ولا الكبير يجب تعلمه، ويجب الالتحاق بالدورات المناسبة والمتكررة التي تقيمها وزارة الصحة وهيئة الهلال الأحمر في هذا الشأن، فبهذا العلم تنقذ نفسك وقد تكون سببا في حياة البشرية جمعاء
"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "
ولا ننس أن القرآن والدعاء كذلك هما شفاء
بإذن الله كما المعالجة الحسية، علينا أن نعرف كيف نتداوى بالقرآن والدعاء من خلال
معرفة السنة النبوية في ذلك، ولنكن على حذر من علوم الطب والرقية التي ترويها برامج
التواصل العالمي أو سوالف البسطاء الذين يظنون انهم أتوا بما لم يأت به العلماء في
هذا المجال أو ذاك.
تعليقات
إرسال تعليق