حديث نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ

بسم الله الرحمن الرحيم

(حديث نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وجعل الله مساءكم عامرا لكم بالخيرات والمسرات ثم أحمد الله وأشكره على سابغ نعمه وعلى تيسيره لهذا المجلس سائلا الله تعالى أن يجعله مجلس علم خالصا لوجهه الكريم وأن يتقبله منا جميعا ويجعله محفوفا بالرحمة وعامرا بالنفع ومختوما بالقبول

 أيها الأحبة الكرام نتحدث قليلا حول رسالة نبوية كريمة تحمل الحب والنصح وتنبئ عن عظيم مُلك مغفول عنه، رسالة تدعو للحفاظ على كنز ثمين يتمناه أولوا الألباب ويتمناه من تعذر عليه إعادة الاستمتاع به.

روى الإمام البخاري رحمه الله عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ"

المراد بالنعمة: صلاح الحال وطيب العيش وتوفر مقومات الحياة الجيدة.

والغبن: هو التحسر على خسران شيء مهم مضمون ربحه.

والصحة: السلامة من الأمراض والعيوب، وذهاب الأسقام والعلل الجسدية.

والفراغ: الخلو والسعة وعدم الانشغال.

هنا يشبه النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان بالتاجر ويشبه الصحة والفراغ بالسلع التي لا تقدر بثمن.

فالتاجر أو البائع حينما يفرّط في سلعه الغالية المهمة فيبيعها بثمن بخس، يكن مغبونا، أي متحسرا متألما لما ضيّع.

وعادة من يبيع بالعشرات سلعة قيمتها بالملايين تجده اثناء البيع لا يشعر بقيمة ما لديه ولا يدرك حجم خسارته، ولكن بعد ما يرى كيف باع الآخرون سلعهم المماثلة لسلعته بالملايين المضاعفة، هنا يدرك عِظم تفريطه ويعرف قدر ما خسر وقد يكون هذا الإدراك بعد فوات الأوان وهنا يكن الغبن أعظم والحسرات أكبر.

في هذه الدنيا لا شيء يفوت بالكلية ما دام لدى الإنسان ما يمكنه التعويض به، وهو الصحة والفراغ فالتعويض وتدارك كثير مما فات ممكن، إذ الله تعالى إنما يمنح الإنسان فسحة في العمر وقوة على العمل وكفاية في المعيشة لأجل أن يستثمر وقته وصحته جيدا ويعوّض ما فاته، وأعظم ما يملك الإنسان صحته ووقته إذ بهما قوام حياته فلا عيش الدنيا ولا عيش الآخرة يقومان بدونهما.

 لا يمكن وأنت مريض أن تعمل لمعيشتك ومستقبلك وأن تستمتع بحياتك ولا أن تتعبد لله جيد كما يعمل الأصحاء، ولا يمكن أن تستثمر عمرك وأنت مشغول في متطلبات حياتك الأساسية، ألست تجد الجهل يعم تلك المجتمعات الفقيرة التي لا تجد كفايتها في العيش لأنها تظل تبحث عن عيشها طوال وقتها.

بالتأمل في هاتين النعمتين الصحة والفراغ ثم التأمل في ما مضى من العمر نجد غبنا كبيرا، لأنه كان لدينا فرصة للكسب ولكننا تخلينا عنها، كسب اسرة وكسب ودها، كسب نوافل العبادات، كسب علم، كسب صحة ولياقة أفضل، كسب مال، كسب علاقات جيدة في المجتمع، بناء سيرة ذاتية إيجابية في المجتمع وفي سجل الأعمال عند الله تعالى، فالدنيا مليئة بالفرص التي تعمر الدنيا والآخرة ولا يمكن أن تستغل هذه الفرص بدون الصحة والوقت الكافيين، ولهذا تجد المريض وتجد من تحمل مهام ومسئوليات يغبط ذاك الذي يتمتع بالصحة والفراغ ثم لا يستثمرها جيدا.

جاء في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ" مسلم.

 والمراد بخاصة أحدكم: أي موانعه الخاصة التي تمنعه عن الاهتمام بنفسه وصحته كالمرض أو الانشغال بالأسرة والعمل او الفتن الخاصة المختلفة مما لا يمكن للمرء الخلاص منها.

 وأمر العامة: إي الانشغال بإصلاح أمر عامة الناس أو مشاكلهم العامة التي تضيّع المصالح عليهم وعلى غيرهم.

جسدك أمانة عندك وعليك أن تسلمه لبارئه بدون إتلاف متعمد لشيء منه وستسأل عما تعمدت إتلافه منه، روحك استلمتها طيبة نقية مرحة اجتماعية سليمة من كل عيب وعليك ألا تتلفها بسوء التغذية الروحية لها.

ولئن كان الله تعالى يعذرنا عن الخطأ والنسيان وما استكرهنا عليه فإنه سبحانه لا يعذرنا على التفريط المتعمد إلا أن يشاء سبحانه،

علينا ان نرعى هذا الجسد ونعطيه مقومات حياته وسلامته المادية والروحية،

علينا استغلال الصحة والعافية للتقرب إلى الله بالعناية بالفرائض وبنوافل الطاعات

وعلينا بناء الجسد بناء تظهر فيه القوة السلامة من الأمراض ما أمكن ذلك، وهذا لا يتأتى إلا بهذه النعم التي يتمتع بها الكثير الصحة والفراغ.

ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى الرجل فارغا، لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة.

تسمع دوما من الكثير مقولة والله إني مشغول إلى راسي، ماني فاضي، وعبارات من هذا القبيل.

وإذا سألته فيما شغلك هذا؟ وما نتيجة انشغالك الدائم هكذا؟

ستأتيك الإجابة الموحدة إلا ممن رحم الله، أبد والله ما عندي شيء، ما أدري كيف يروح الوقت!

ولأن استشعار العبادة في كل شأن من شؤون الحياة وعند كل احتياج من الاحتياجات والغرائز الطبيعية لدى الإنسان، ما دام استشعار العبادة مفقود عند الكثير فإن الخطر كبير في أن يلحق البعض بعض ما نبّه إليه الله تعالى ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قول الله تعالى "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ" ومن ثم قول الله تعالى "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ"

وبالتأكيد فليست الأحكام تتنزل على الناس بالسوية فالتدرج والتنوع وارد حتى في العلاقة بين الله تعالى وبين عباده فليس نسيان هذا كنسيان ذاك ولا عقوبة الله لهذا كعقوبته سبحانه لذاك وإنما المراد التنبيه إلى أن الله تعالى يكل المرء لنفسه إذا نسي الله في شيء من شأنه، ونسيان العبد لربه إما نسيان للحق الإلهي بالكلية أو ينسى أن نية التعبد تدخل في شأنه ذاك، ومن ثم لا يُبارك له فيه. وأيضا لا ننسى قول النبي صلى الله عليه وسلم: في الحديث الذي رواه ابن ماجة وأحمد وابن حبان وصححه الحاكم والذهبي والألباني وغيرهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ»

فهذا تنبيه إلى أن ضياع الوقت هدرا هكذا هو نوع من العقوبة وإن لم يشعر المرء بأثرها حاضرا.

حتى دعوى الفقر وقلة ذات اليد وعدم وجود عمل، كلها دعاوى قد يرد عليها ملحظ بعدم الصدق تماما إذا كان المرء يتمتع بصحة وفراغ، فالفراغ يكشف عن مستوى معيشي جيد في العموم،

 وهنا سيأتي من يقول ألا تريدنا أن نعيش؟ تريدنا أن نكون مقيدين؟ تريد أن تجمع علينا فقر وضيقة صدر؟

بالطبع لا فالتمتع بالحياة مطلب لقوام الروح والجسد واستقامتهما، وهو أداء للأمانة فاستمتع بحياتك كما أباح الله وانتبه فإن وجدت أثرا طيبا لتلك المتعة بعون على مصلحة دينية أو دنيوية فاعلم أن ثمة بركة أحاطت بك لنيةٍ طيبة تحملها، وأما إن كان ذلك المجلس وتلك الهواية والمتعة لا تعود عليك إلا بخسران مصالحك، خسران نوافل الصلوات وخسران اذكار الصلوات وخسران مال وخسران وقت وخسران فرص وخسران أسرتك لك فانتبه لما يحمله قلبك تجاه ربك.

الصحة والفراغ تنبئان عن صلاح الحال وسعة العيش وخلو الجسد مما يضره، وهذه نعم عظيمة ومن لم يشكر هذه النعم باستثمارها استثمارا جيدا يعود عليه بصفاء الروح وسلامة الجسد ففي شكره لنعمة ربه خلل.

استغل نعمة الله عليك لكسب حياة أفضل في كل جوانب الحياة، استثمر وقتك جيدا لبقاء صلتك بربك جيدة ولبقاء صلتك بأسرتك جيدة ولبقاء صحتك جيدة ولبقاء علمك وثقافتك جيدة، استثمر صحتك وفراغك لتكون أفضل من غيرك ما وسعك الأمر وكلٌ وله مجالاته التي يستطيع ان يتفوق فها على غيره ولن يستحوذ إنسان على كافة متع ومجالات الحياة "بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ"

ختاما يقول تعالى "وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ" والله يحب ان يرى أثر نعمته على عبده ومن هنا ندرك أن قوله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ. هو رسالة من نبي كريم تحمل الحب والنصح وتنبئ عن عظيم مُلك مغفول عنه ومحاسبون عليه، فلنستجب لرسالة نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام حفاظا على هذا الكنز الثمين الذي وهبنا الله إياه الصحة والفراغ. لنحاسب أنفسنا دوما نهاية كل يوم، نهاية كل فترة، نهاية كل عام، عند رؤيتنا لنعم الله على غيرنا، ولنتفقد مغانمنا من نعم الله علينا فغالبا نحن الملامون على ما فاتنا.

ودوما نتذكر قول الله تعالى "يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي" سيقولها كثير يوم القيامة وسيقولها كثير حينما تفوتهم الفرص الحاضرة فلنسع لتخفيف الألم بفوات الفرص من خلال محاولة بذل الجهد بما تيسر فيما تيسر.

بارك الله لنا فيما وهبنا من نعم وجعلنا مباركين أينما كنا وأوزعنا أن نشكر نعمه التي أنعم علينا وأن نعمل صالحا يرضاه وأن يصلح لنا الحال والذرية والشأن كله، وأن يغفر لنا ذنوبنا وأن يكفر عنا سيئاتنا وأن يجمعنا بوالدينا وأحبتنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فأولئك هم أحسن رفقة يدركها الإنسان وأساله سبحانه ان يغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وأن يجمعنا في لقاء آخر على خير إنه ولي ذلك والقادر عليه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل