موسى عليه السلام وبعض من دروس سيرته والحث على صيام يوم عاشوراء

 

الحمد لله خالق كل شيء وهو العزيز الحكيم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

فيقول الله تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" لنتق الله ففي ذلك اليوم لا ينفع اعتذار ولا ينفع تمني العمل.

عباد الله ويقص الله تعالى علينا القصص لنعتبر ويخبرنا بسير أنبيائه في الصلة به سبحانه وفي خُلقهم مع قومهم

لأن ما مرّ بهم على قربهم منه سبحانه وتعالى حريٌ أن يمرّ بغيرهم،

وما نالهم من الأذى على شرفهم وقربهم من ربهم فغيرهم من باب أولى،

ولئن كان صدق المعتقد وخلوص النية والصبر والحلم هو السبب بأمر الله في نجاتهم وفوزهم فلن يكون لغيرهم سبب غيره.

مدح الله تعالى أنبيائه بأمور عدة من تخلق بها من العباد فاز بمثل فوزهم اللهم إلا ما استثناه الله تعالى من فوز لهم بخصوصهم وقليل ما هو.

 ومما مدح الله به أنبيائه صدق الصلة به وصدق التوكل عليه واللجوء إليه وصدق الثقة به سبحانه وصدق الصبر في الدعوة إليه وبالغ الصبر على الأذية من مرضى القلوب وأهل الأهواء وأتباعهم السذج، ولنا في موسى عليه السلام أصدق الأمثلة لمن أراد نيل الوجاهة عند الله تعالى وعظيم المنازل والنجاة من كل كيد ومكر يراد.

يولد عليه السلام في عام هو الأكثر فزعا لدى قومه نظرا لقتل فرعون للأطفال فيه فينحو من القتل بأمر الله وبسبب لا يخطر ببال أبدا، رضيع في مهده يُلقى في النهر فينجو ويلتقطه العدو المتربص فيعيده لأمه ترعاه بأجرة وتقر عينها بطفلها ويكون لهم نجاة وهلاك بسببه، بسببه تتقي الله امرأة فرعون فتنجو وتعلو منزلتها حتى تكون إحدى أربعة نسوة هن النساء الكاملات وهن أفضل نساء الجنة، بالرغم من وجودها في بيئة كافرة ظالمة باغية، فلا تلق باللائمة على مجتمعك إن فرطت في مصلحة راجحة لك.

جاء موسى لقومه وهم في ضنك وشدة، فبثّ فيهم الروح وجدد لهم الدين والصلة بالله وفتح لهم باب الأمل بحياة رائعة فما كان من عامتهم إلا أن "قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ" ولم تكد ملابسهم تجف من آثار البحر حتى قالوا "اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ"

فمهما كانت نيتك خيّرة وجهودك نافعة فلا تتوقع أن الجميع سيكون لك شاكرا، بل ستجد من يرميك بشقائه السابق والحالي ليس لشيء اللهم إلا الحقد وكراهية نسبة الخير لك كما كان من قوم موسى معه عليه السلام.

واعلم أن البشرية لن تُحدث ضررا بأحد أراد الله له السلامة، ولن تحرم البشرية أحدا خيرا كتبه الله له وهو يتخلق بخُلق الأنبياء، ستمر بك نوازل تزعجك وتؤلمك فإن أردت الخير والسلامة فتخلق بخلق الأنبياء عليهم السلام ومن ذاك خلق الثقة بالله وحسن الظن به وحسن التوكل عليه.

تأتي العبد بعض الأحداث المكروهة لا سبيل له في الخلاص منها فمريض القلب تأكله الهواجس والظنون وتسقط كرامته تشكيا وسؤالا لفلان وفلان ثم لا يُحصّل مراده، وأما المؤمن فيكسب بكربته مزيد صلة بالله.

 في ظلمة الليل انطلق موسى وقومه الشيب والشباب والأطفال من النساء والرجال مشاة هربا من فرعون وجنده فيصلون البحر وليس ثمة مركب يُركب وقبل أن يتاح لهم فرصة للراحة والتفكير تظهر لهم مقدمات جيش فرعون لاحقا بهم فيأتي خلق الأنبياء وهو عمق الصلة بالله وقوتها وتتجلي التقوى الحقة والثقة به سبحانه "فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ".

سترى يوما ما عجزك وقلة حيلتك وخذلان الناس لك وليس في ذلك عقوبة لك بل اختبار وابتلاء فإن نجحت فزت وسلمت وقرت عينك فرحا ورضا من حيث لا تحتسب، فبخلق الأنبياء يكن الفوز، فقط اتق الله فيما أنت بصدده اتق الله مع من ظلمك اتق الله فلا تطلب الفرج بما حرم الله ولا بذلة ومهانة كرمك الله عنها ابتعد عن التشكي والتذمر والتسخط والغيبة والنميمة، واصبر وادع وانتظر فإن مع العسر يسرا، وسيأتيك الفرج من حيث لا تحتسب، وعلى يد من لا يخطر لك ببال، وبالكيفية التي لا تتخيل أبدا، ذلك لأن الله تعالى قد تولى الأمر "وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ"

ها هو العالم مضطرب شمالا وشرقا وغربا ومن حولنا فلنحسن العاقبة لنا ولوطننا بحسن الظن بالله وبتقوى الله وبمزيد صلة به سبحانه صلاة وذكرا ودعاء ومراجعة للنفس فيما تفعله ولومها عند الخطأ والمبادرة للتكفير بالتوبة وبعمل صالح "وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا" ومن غفر الله له ورحمه فلا خوف عليه، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين نستغفرك الله ونتوب إليك.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله فلقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شكر الله على نعمه إنما يكون بمزيد صلة به سبحانه قام عليه الصلاة والسلام حتى تفطرت قدماه فقيل له في ذلك فقال أفلا أكون عبدا شكورا؟ لا شكر للنعمة بدون الاستعانة بها على قربة.

 صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشورا وحثّ على صيامه، صامه شكرا لله وفرحا بنصر الله، وصامه توثيقا للصلة بالأنبياء من قبله، وصامه تنبيها لأمته أن نصرها هو في صلتها بربها وتميزها في دينها.

قال عَبْدُ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»

وقال عليه الصلاة والسلام: وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» مسلم.

عباد الله في هذا الزمان نحن في نعيم عظيم إذ الحرٌ الشديد لا يؤذينا والطعام والشراب لا يبتعد عن أيدينا ولدى عامتنا نومٌ يقضي على النهار كله إلا قليلا، فإن فرّطنا في صوم يوم فاضل كيوم عاشوراء فستكون الحسرة عظيمة يوما ما. صوموا عباد الله يوم عاشوراء أي يوم الاثنين القادم ويوما قبله أو بعده والأفضل قبله، وحثوا أهل البيت على صيامه تقربوا لله بالصيام لهذا اليوم شكرا لله على نعمه وتيمنا بنصره وفَرَجِه وبحفظه لكم ولوطنكم ولأجيالكم القادمة، علموا أولادكم حسن الثقة بالله وصدق التوكل عليه، وأن لا عذر لهم بالفشل بسبب بيئتهم فامرأة فرعون نجت بالرغم من بيئتها، وأن لا يستمعوا للمحبطين فما أكثرهم ولو سلم منهم أحد لسلم أنبياء الله، وعلموهم أن عليهم صدق السعي ولهم حق التوفيق إن صدقوا، علموهم أن ناكري الجميل كثر فلا يتركوا فعل الخير بسببهم، علموهم أن قصص القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم دروس لهم في حياتهم الدنيا فليتأملوها.

وأكثروا عباد الله من الصلاة والسلام على رسول الله فذاك أمر الله وتلك وصية رسول الله، وللصلاة على رسول الله ثناء لكم من الله وردا للسلام من رسول الله وبكل صلاة لكم حسنات وخيرات حسان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل