خطبة الجمع 14 / 1 /1444 نعمة الكهرباء وأجهزة التكييف
الحمد لله العلي العظيم، المنعم المتفضل الغني الكريم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام انبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى
"إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
فالمؤمن يهديه ربه لكل خير ويعينه على عمل الخير بسبب إيمانه وبسبب أعماله الصالحة وأهمها حمد الله وشكر نعمه، مما يزيده من صالح العمل وسابغ النعم، فكل حسنة تقول أختي، أختي والسيئة كذلك.
وإن مما يُتقى الله فيه هذا الاختلاف بين الليل والنهار وما يحدث فيهما من تقلب للأجواء، وما ينتج عن هذا التقلب من تغير في الحال والمزاج، نتقي الله في هذه الأجواء بالتأمل والتفكر ومن ثم الاعتبار وتجديد الإيمان بالله وبقدرته ورحمته وحكمته وفضله فتصدح الألسنة مع القلوب حمدا وشكرا وثناء للمنعم جلّ وعلا، ومن يتقي الله يهديه ويهيئ له من يعنيه على استمرار الهداية حتى تكون حياته هادئة سعيدة ماتعة. في هذه الفترة نعيش أشد مواسم العام حرارة، فنَفسُ جهنم قد عمّ الكون كله، والأرض جزء من هذا الكون، فهذا الحر رسالة من الله أن اتقوا الله وتعرفوا على نعم الله وأدوا حقها، اتق الله في كل شيء وبالأخص فيما أنعم به عليك مما له صلة بهذا الحر،
اتق الله في هذا الطقس فلا تجعل له أثرا سيئا في الصلة بينك وبين ربك، فربك من صرّفه وقضى به ولحكمته يزيد فيه ويخفف منه،
اتق الله في النعم التي يسرها سبحانه ليستعان بها على العيش في هذا القيظ القائظ، من ماء بارد وتمور وفواكه وكهرباء ووسائل تبريد وغيرها،
اتق الله في هذه النعم فلا ترتكب بسببها محرم ولا تجعل متعتك بها تُخسرك فريضة ربك ولا واجبا من واجبات حياتك، ولا تخسر بها صحتك ولا جسدك،
اتق الله فاجعل هذه النعم سببا لمزيد خير لك في جسدك وفي روحك، في علمك وثقافتك، في صلتك بربك وفي صلتك بأسرتك وذوي رحمك. نعم الله علينا في الصيف عديدة منها هذه الكهرباء التي امتن الله علينا بها حتى صرنا بفضله سبحانه نمدّ العالم بها، وتبعا للكهرباء تأتي أجهزة التكييف إذ هي نعمة عظيمة لا تقدر بثمن لم يتمتع بها الأنبياء ولا الصالحون ولا الملوك الأولون،
وككل نعمة إن تُكفر ولا تُشكر فإنها تُرفع.
ولاستخدام أجهزة التكييف أحكام بمعرفتها والعمل بها يستدام الفضل بها،
فيحرم حرمان النفس والآخرين منها إذا تسبب الحرمان في أذى نفسي أو منع من التعايش بسكينة مع هذا القيظ،
ويحرم الإسراف في استخدامها حتى تكون سببا في ضرر ما سواء بدني أو مالي،
ويجب استخدامها باعتدال يحقق تهيئة للعبادة وراحة للجسد وأنسا للمجتمعين.
أجهزة التكييف نعمة فإن جعلناها سببا في ضرر ما فهو كفر بها، كل تشغيل لهذا الجهاز ولا أحد عنده فهو إسراف وتبذير إلا من حاجة مستثناة، كل تشغيل له فوق مستوى تلطيف الجو حتى لا يمكن النوم إلا باللحاف الشتوي يُدخل المشغّل له في عداد المسرفين، كل استخدام زائد عن الحاجة لهذه الكهرباء هو إسراف وتبذير والله لا يحب المسرفين وقد عدّ سبحانه المبذرين إخوانا للشياطين، ويا جرأة من يعلم أن الله تعالى يكره المسرفين ويعدهم إخوانا لأعدائه ثم يسرف ولا يبالي؟
كل نعمة تكون سببا لضرر على العبد في دينه أو في بدنه أو في ماله فإنها نقمة ولابد لها من أثر لا يُرضى.
المفترض شكرا لنعمة أجهزة التكييف أن لا صلاة تفوت بسببها ولا مصلحة دنيوية تضيع بسببها ولا جسد يفقد سلامته بسببها ولا فواتير مرتفعة تستنزف دخل الأسرة بسببها،
المفترض أن نتمتع بجهاز التكييف بما يجعلنا نمارس حياتنا الطبيعية بشكل طبيعي، بسببه نصلي بسكينة وطمأنينة وبسببه ننام بارتياح ونجتمع ونعمل ونأكل ونشرب بانشراح،
المفترض بنا مع هذا المكيف أن نعيش في أفضل الحالات.
حينما يتعامل أحدنا مع جهاز التكييف على أنه للتجميد فهو مسرف معرض للعقاب، وأول العقوبة تصلب العضلات وأمراض الروماتيزم، وحينما يعاني كثير من الشباب من هذه الأمراض فلا يمكن أن يقال عن هذا شيء أقل من أنه إهلاك متعمد للنفس والله تعالى يقول "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» مسلم.
روحك ليست ملكا لك وجسدك أمانة عندك، عليك الحفاظ عليهما حتى موعد تسليمهما،
ويا حسرة من سلم روحه أو حسده وقد تسبب عمدا في إتلاف شيء منهما، إن لكل من الروح والجسد
غذاؤه المناسب وأسباب صيانته وتقويته. وجهاز التكييف هذا إن أسيء استخدامه عاد
بالضرر على أصحابه في أجسادهم وأموالهم وأدخلهم في عداد المعرضين لعقوبة الله، فلنتق
الله في أجسادنا وفي أموالنا فنأخذ منه حاجتنا فقط.
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشكره سبحانه وأثني عليه الخير بما هو أهله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فأجزم أن كثيرا إن لم يكن الجميع قد أزعجتهم وأثقلتهم فاتورة الكهرباء الشهر الماضي ونسأل الله أن تكون القادمة أخف وطئا منها، والسؤال هو ما الحل؟ بالطبع ليس في الحرمان حل وليس في التذمر حل وليس ترك الحبل على الغارب حل،
وإن مما أراه من حل هو الاستخدام باعتدال وهذا لا يتأتى إلا :
بتعريف الأسرة بدون منّة ولا تعنيف بحجم الفاتورة
وبالتذكير بحرمة الإسراف والتنبيه لحرمة إتلاف الجسد،
والتعليم بأهمية ضبط مستوى التكييف لمستوى متوسط والإلزام بذلك،
وضبط المؤقت للتشغيل الهادئ قبل وقت النوم بزمن مناسب،
ووضع لحاف نوم صيفي مناسب،
وأيضا التعليم والإلزام بعدم البقاء في غرف النوم لغير النوم أو الدراسة،
وتهيئة أسباب اجتماع أسري داخل البيت يهيئ مكانا وبيئة ليكون مناسبا للجميع ما أمكن ثم عدم التساهل في انعزال أحدهم وترك هذا المكان المهيأ،
ولن يحدث اجتماع وأفراد الأسرة يسمعون من كبارهم المحاسبة والتذمر والتعنيف بسبب تصرفاتهم الشخصية خصوصا مع هواتفهم أو طعامهم وشرابهم، ولكن مناصحة بدعابة،
ولن يحدث اجتماع وأحدهم يحمل البقية على ما يرغبه فقط من مشاهدة أو استماع أو تحدث، يجب محاولة التكيف مع رغبات وأمزجة المجتمعين ما أمكن وتأليف قلوبهم وكسب حبهم لهذا المكان وللاجتماع فيه، يقول عليه الصلاة والسلام: «المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه الألباني.
وبالتأكيد فالأسرة أولى بالمخالطة وأولى بالصبر على ما يُكره منهم، فاجمعهم
ودعهم يستمتعون وانصح بمداعبة وتحمل ما تكره وما لا تتفق معهم ما دام لا ضرر مؤكد
عليهم في دينهم ودنياهم، فإنهم ما داموا مجتمعين فسيتحمل بعضهم البعض وينصح بعضهم
بعضا وسيتآلفون وتندمج أرواحهم وستحظى بتوفير الخدمات والاستهلاك ومن ثم يسر الفواتير
وكذلك يتفوز باطمئنان على دينهم وأخلاقهم. وتذكروا رعاكم الله أن هذا القيظ رسالة
من الله وهذه الوسائل نعم من الله تستدام بالحمد والشكر وبالاستعانة بها على
الطاعة، وأن من يتقي الله يهديه ويهيئ له من يعينه على الثبات على الهداية جعلنا
الله هداة مهندين وبارك لنا في شأننا أجمعين وألحقنا بالصالحين
ثم صلوا وسموا على نبي أحبكم وتمنى رؤيتكم ووعدكم حوضا عظيما يلقاكم عنده وتشربون منه فلا تظمأون أبدا
تعليقات
إرسال تعليق