خطبة الجمعة 30 / 12 / 1443 نهاية العام الهجري 1443 الحياة المجوّدة، صناعة النهاية الأجمل وصناعة البداية لما هو أفضل.

 

الحمد لله رب العالمين، الملك الحي القيوم خلق الإنس والجنّ وخلق الموت والحياة ليبتليهم أيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله أرسله رحمة وبشارة وهداية للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله

فما أكثر ما أوصانا ربنا تبارك وتعالى بالتقوى له في السر والعلن، ذلك أنه جلّ جلاله جعل سر الحياة الحقة الماتعة الممتعة فيما يحمله القلب من صدق المشاعر المُعظِمةِ لما أمر الله به ونهى عنه وما يحمله القلب من صدق المشاعر المحبة لخير الغير، وهذه هي التقوى التي أوصى الله بها، وبها ربط الله تعالى الخير لعباده في الدنيا وفي الآخرة يقول تعالى

"يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"

 عباد الله ومع الوصية بالتقوى فإن الله جلّ وعلا قد وصّى كذلك بالتفكر في هذا الكون، بالتفكر في الحياة وتقلب أحوالها وترحل أيامها، بالتفكر في ذات الإنسان كيف خُلق وكيف يحيا وكيف يفنى، ذلك أن التفكر هو السبيل الوحيد لكسب التقوى المجوّدة للحياة. وها هي عباد الله أيامنا تسرع بنا نحو نهاية نعلمها ونعلم أن بإمكاننا أن نجعلها نهاية أفضل من البداية وأن نجعلها بداية لما هو أجمل من جميع ما عشناه وعرفناه إن تفكرنا واتقينا.

بصلاة الفجر هذا اليوم طويت صفحة من صفحات سجلاتنا ومع صلاة العصر ستكوى صفحة أخرى،

وبهذه اللحظة التي عبرت انتهت مرحلة من مراحل العمر،

لا يمكننا إضافة جديد لما مضى اللهم إلا استغفارا وتوبة وعملا مشروعا يُكفّر سيئات ويجبر كسرا،

وهي دعوة ألا ننظر للماضي إلا بقدر ما نعالج الخلل ونستقي العبر،

وبقي لنا فسحة الله أعلم بمقدارها، ونسأله سبحانه ونحن لا نشرك به شيئا ان يوفقنا وأن يعيينا فيها على عمل صالح تبيّض معه وجوهنا يوم نلقاه "فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا"

وإذ منّ الله علينا بنعمة الهداية للتوحيد فلنحمل أنفسنا على عمل صالح مما شرعه سبحانه ورضيه لنا وعلّمنا إياه نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فيما تبقى من هذه الحياة التي عبّر الله تعالى عنها بقوله

"وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡ"

وانظر لما مضى من عمرك تجده كأن لم يكن لولا بقية آثار مما عملت تسترجعه كذكريات أو تعيش معه اللحظات.

يقول ربنا تبارك وتعالى

"يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا"

ويقول سبحانه

 "مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ"

علم الله تعالى أننا أضعف من أن نستمر في الصمود أمام الشهوات فحذّر سبحانه وتوعد وأعدّ العقاب الرادع وفتح باب الأمل بالعفو والصفح ومحو الزلة بما شرع من يسير العمل الصالح إذا اقترن بمشاعر قلب صادق يقول جلّ جلاله

"نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ" ويقول سبحانه "قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"

عندما تؤمن بأنك غدا راحل وأنك مقبل على ربك ومواجه ما قدمته لنفسك من قول وعمل فيفترض أنك في أقل الأحوال ممن قال الله فيهم

"وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"

إذا علمت رعاك الله أنك في سباق مع الزمن في سباق مع الليل والنهار بل مع الساعات والدقائق وعلمت بأنك في حرب مع نفسك الأمّارة بالسوء وشهواتها، فحاول ألا تكون ممن خلطوا العمل بل اسع لتكون من السابقين فالمسار مسار سباق،

لا تتهاون في فريضة

ولا تغفل عن أية فرصة لقربة،

اغتنم حياتك وصحتك وفراغك ونشاطك ومالك، اغتنمها لصناعة مستقبل آمن مشرق يجعلك باسما حينما تكون وحيدا في قبرك جاء عنه صلى الله عليه وسلم:

أن المؤمن إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ َإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ فَيُجْلِسَانِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللهَ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَجَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَصَدَّقْنَاهُ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عز وجل {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ: صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولَانِ لَهُ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ وَيُقَالُ لَهُ: عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ فَيَقُولُ: دَعُونِي أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُبَشِّرُهُمْ فَيَقُولَانِ لَهُ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ)

ابذل وسعك رعاك الله في عمل صالح يجعلك فرح القلب مشرق الوجه باسم الثغر حينما تكون وحيدا بين يدي ربك، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» متفق عليه.

علم الله تعالى ضعفنا وقصورنا وعجزنا عن الكمال فقال موصيا ومبشرا جلّ جلاله

"وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"

أقول ما تسمعون واستغفر الله لي

 

الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

آمنّا برحيلنا وآمنّا بكرم ربنا وآمنّا بأن بأيدينا أن نجعل نهايتنا خير من بدايتنا فبقي العمل على ذلك فالأيام لا تنتظرنا ولا يحول بيننا وبين العمل المصلح لأحوالنا سوى إرادتنا التي إن صدقت فستجلب عون الله لنا،

حافظ رعاك الله على الفرائض وتجنب المنكرات وأكثر النوافل من كل عبادة ما استطعت واقرأ القرآن ما استطعت واحفظ منه ما استطعت واتق الله ما استطعت وأكثر الدعاء والاستغفار وكن متفائلا بالأفضل والأجمل ما دمت حيا،

ولا تنس ورقة صغيرة لا يشترط ان تكون موثقة رسميا، ورقة تكتبها لمن بعدك توصيهم فيها بما تحبه لهم من سلوك مع بعضهم وسلوك تجاهك بعد رحيلك وتوصيهم فيها بما عليك من حقوق لم تستطع الوفاء بها، وكن مع أسرتك مستمتعا سعيدا متفائلا فهذه من عاجل بشرى المؤمن. اللهم ما مضى من اعمارنا فاغفر لنا تقصيرنا وإساءتنا فيها وما بقي منها فبارك لنا فيها واجعلها خيرا من ماضيها وأعنّا ربنا على ما يرضيك عنا

وصل اللهم وسلم على نبينا وسيدنا عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين على يوم الدين

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل